جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿يََأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مّتَعَمّداً فَجَزَآءٌ مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّهُ عَمّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾. .
يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله لا تَقْتُلُوا الصّيْدَ الذي بينت لكم، وهو صيد البرّ دون صيد البحر وأنْتُمْ حُرُمٌ يقول : وأنتم محرمون بحجّ أو عمرة والحُرُم : جمع حرام، والذكر والأنثى فيه بلفظ واحد، تقول : هذا رجل حَرَام وهذه امرأة حَرَام، فإذا قيل مُحْرم، قيل للمرأة محرمة. والإحرام : هو الدخول فيه، يقال : أحرم القوم : إذا دخلوا في الشهر الحرام، أو في الحرم. فتأويل الكلام : لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون بحجّ أو عمرة. وقوله : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدًا فإن هذا إعلام من الله تعالى ذكره عباده حكم القاتل من المحرمين الصيد الذي نهاه عن قتله متعمدا.
ثم اختلف أهل التأويل في صفة العمد الذي أوجب الله على صاحبه به الكفارة والجزاء في قتله الصيد. فقال بعضهم : هو العمد لقتل الصيد مع نسيان قاتله إحرامه في حال قتله، وقال : إن قتله وهو ذاكر إحرامه متعمدا قتله فلا حكم عليه وأمره إلى الله. قالوا : وهذا أجلّ أمرا من أن يحكم عليه أو يكون له كفّارة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :" وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النّعَمِ " من قتله منكم ناسيا لإحرامه متعمدا لقتله، فذلك الذي يُحكم عليه. فإن قتله ذاكرا لحُرْمه متعمدا لقتله، لم يحكم عليه.
حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا : حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد في الذي يقتل الصيد متعمدا، وهو يعلم أنه محرم ومتعمد قتله، قال : لا يحكم عليه، ولا حجّ له. وقوله : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدا قال : هو العمد المكفر، وفيه الكفارة والخطأ أن يصيبه، وهو ناس إحرامه، متعمدا لقتله، أو يصيبه وهو يريد غيره، فذلك يحكم عليه مرّة.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : لا تَقْتُلُوا الصّيْد وأنْتُمْ حُرُمٌ، وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدًا غير ناس لحرمه ولا مريد غيره، فقد حلّ وليست له رخصة. ومن قتله ناسيا أو أراد غيره فأخطأ به، فذلك العمد المكفر.
حدثنا يعقوب، قال : حدثنا هشيم، عن ليث، عن مجاهد، في قوله : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدا قال : متعمدا لقتله، ناسيا لإحرامه.
حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال : حدثنا الفضيل بن عياض، عن ليث، عن مجاهد، قال : العمد هو الخطأ المكفّر.
حدثنا الحسن بن عرفة، قال : حدثنا يونس بن محمد، قال : حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال : حدثنا ليث قال : قال مجاهد : قوله الله :" وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدا فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النّعَمِ " قال : فالعمد الذي ذكر الله تعالى أن يصيب الصيد وهو يريد غيره فيصيبه، فهذا العمد المكفّر فأما الذي يصيبه غيرَ ناس ولا مريد لغيره، فهذا لا يحكم عليه، هذا أجَلّ من أن يحكم عليه.
حدثنا ابن وكيع، ومحمد بن المثنى، قالا : حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الهيثم، عن الحكم، عن مجاهد، أنه قال في هذه الآية :" وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدا " قال : يقتله متعمدا لقتله، ناسيا لإحرامه.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، قال : حدثنا شعبة، عن الهيثم، عن الحكم، عن مجاهد، مثله.
حدثنا هناد، قال : حدثنا ابن أبي زائدة، قال : قال ابن جريج : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدا غير ناس لحُرمه ولا مريد غيره، فقد حلّ وليست له رخصة. ومن قتله ناسيا لحرمه أو أراد غيره فأخطأ به، فذلك العمد المكفّر.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدا للصيد ناسيا لإحرامه، فمن اعْتَدَى بَعْدَ ذلك متعمدا للصيد يذكر إحرامه.
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا محمد بن أبي عديّ، قال : حدثنا إسماعيل بن مسلم، قال : كان الحسن يفتي فيمن قتل الصيد متعمدا ذاكرا لإحرامه : لم يحكم عليه. قال إسماعيل، وقال حماد عن إبراهيم، مثل ذلك.
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا عفان بن مسلم، قال : حدثنا حماد بن سلمة، قال : أمرني جعفر بن أبي وحشية أن أسأل عمرو بن دينار عن هذه الاية : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدا فَجَرَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النّعَمِ. . . الاية، فسألته، فقال : كان عطاء يقول : هو بالخيار أيّ ذلك شاء فعل، إن شاء أهدى وإن شاء أطعم وإن شاء صام. فأخبرت به جعفرا، وقلت : ما سمعتَ فيه ؟ فتلكأ ساعة ثم جعل يضحك، ولا يخبرني، ثم قال : كان سعيد بن جبير يقول : يحكم عليه من النعم هديا بالغ الكعبة، فإن لم يجد يحكم عليه ثمنه، فقوّم طعاما فتصدّق، فإن لم يجد عليه حكم الصيام فيه من ثلاثة أيام إلى عشرة.
حدثنا ابن البرقي، قال : حدثنا ابن أبي مريم، قال : أخبرنا نافع بن يزيد، قال أخبرني ابن جريج، قال : قال مجاهد : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدا غير ناس لحُرمه ولا مريد غيره فقد حلّ وليست له رخصة، ومن قتله ناسيا أو أراد غيره فأخطأ به، فذلك العمد المكفّر.
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : أما الذي يتعمد فيه الصيد وهو ناس لحرمه أو جاهل أن قتله غير محرّم، فهؤلاء الذين يحكم عليهم. فأما من قتله متعمدا بعد نهي الله وهو يعرف أنه محروم وأنه حرام، فذلك يوكل إلى نقمة الله، وذلك الذي جعل الله عليه النقمة.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، عن ليث، عن مجاهد، في قوله :" وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدا " قال : متعمدا لقتله، ناسيا لإحرامه.
وقال آخرون : بل ذلك هو العمد من المحرم لقتل الصيد ذاكرا لحُرمه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا هناد، قال : حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال : يحكم عليه في العمد والخطإ والنسيان.
حدثنا هناد، قال : حدثنا ابن أبي زائدة، قال : حدثنا ابن جريج، وحدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال : قال طاوس : والله ما قال الله إلاّ : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدا.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرني بعض أصحابنا عن الزهري أنه قال : نزل القرآن بالعمد، وجرت السنة في الخطإ. يعني في المحرم يصيب الصيد.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ " قال : إن قتله متعمدا أو ناسيا حكم عليه، وإن عاد متعمدا عجلت له العقوبة، إلاّ أن يعفو الله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جبير، قال : إنما جعلت الكفّارة في العمد، ولكن غلّظ عليهم في الخطأ كي يتقوا.
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا أبو معاوية ووكيع، قالا : حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جبير، نحوه.
حدثنا ابن البرقي، قال : حدثنا ابن أبي مريم، قال : أخبرنا نافع بن يزيد، قال : أخبرنا ابن جريج، قال : كان طاوس يقول : والله ما قال الله إلاّ : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدا.
والصواب من القول في ذلك عندنا، أن يقال : إن الله تعالى حرّم قتل صيد البرّ على كل محرم في حال إحرامه ما دام حراما، بقوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصّيْدَ ثم بين حكم من قتل ما قتل من ذلك في حال إحرامه متعمدا لقتله، ولم يخصص به المتعمد قتله في حال نسيانه إحرامه، ولا المخطئ في قتله في حال ذكره إحرامه، بل عمّ في التنزيل بإيجاب كلّ قاتل صيد في حال إحرامه متعمدا. وغير جائز إحالة ظاهر التنزيل إلى باطن من التأويل لا دلالة عليه من نصّ كتاب ولا خبر لرسول الله ﷺ ولا إجماع من الأمة ولا دلالة من بعض هذه الوجوه. فإذ كان ذلك كذلك، فسواء كان قاتل الصيد من المحرمين عامدا قتله ذاكرا لإحرامه، أو عامدا قتله ناسيا لإحرامه، أو قاصدا غيره فقتله ذاكرا لإحرامه، في أنّ على جميعهم من الجزاء ما قال ربنا تعالى وهو : مثل ما قتل من النّعَم يحكم بِهِ ذوا عدل من المسلمين أو كفّارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما وهذا قول عطاء والزهري الذي ذكرناه عنهما، دون القول الذي قاله مجاهد.
وأما ما يلزم بالخطأ قاتله، فقد بينا القول فيه في كتابنا «كتاب لطيف القول في أحكام الشرائع » بما أغنى عن ذكره في هذا الموضع. وليس هذا الموضع موضع ذكره، لأن قصدنا في هذا الكتاب الإبانة عن تأويل التنزيل، وليس في التنزيل للخطإ ذكر فنذكر أحكامه.
وأما قوله :" فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النّعَمِ " فإنه يقول : وعليه كفارة وبدل، يعني بذلك : جزاء الصيد المقتول يقول تعالى ذكره : فعلى قاتل الصيد جزاء الصيد المقتول مثل ما قتل من النعم. وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله :«فَجَزَاؤُهُ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النّعَمِ ».
وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة وبعض البصريين :«فَجَزَاءُ مِثْلِ ما قَتَلَ مِنَ النّعَمِ » بإضافة الجزاء إلى المثل وخفض المثل. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين : فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ بتنوين «الجزاء » ورفع «المثل » بتأويل : فعليه جزاء مثل ما قتل.
وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ : فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ بتنوين «الجزاء » ورفع «المثل »، لأن الجزاء هو المثل، فلا وجه لإضافة الشيء إلى نفسه. وأحسب أن الذين قرأوا ذلك بالإضافة، رأوا أن الواجب على قاتل الصيد أن يجزى مثله من الصيد بمثل من النعم وليس كذلك كالذي ذهبوا إليه، بل الواجب على قاتله أن يجزى المقتول نظيره من النعم. وإذ كان ذلك كذلك، فالمثل هو الجزاء الذي أوجبه الله تعالى على قاتل الصيد، ولن يضاف الشيء إلى نفسه، ولذلك لم يقرأ ذلك قارئ علمناه بالتنوين ونصب المثل. ولو كان المثل غير الجزاء لجاز في المثل النصب إذا نون الجزاء، كما نصب اليتيم إذ كان غير الإطعام في قوله : " أوْ إطْعامٌ فِي ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيما ذَا مَقْرَبَةٍ " وكما نصب الأموات والأحياء ونون الكفات في قوله :: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتا أحْياءً وأمْوَاتا " إذ كان الكفات غير الأحياء والأموات. وكذلك الجزاء، لو كان غير المثل لاتسعت القراءة في المثل بالنصب إذا
يقول تعالى ذكره : يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله لا تَقْتُلُوا الصّيْدَ الذي بينت لكم، وهو صيد البرّ دون صيد البحر وأنْتُمْ حُرُمٌ يقول : وأنتم محرمون بحجّ أو عمرة والحُرُم : جمع حرام، والذكر والأنثى فيه بلفظ واحد، تقول : هذا رجل حَرَام وهذه امرأة حَرَام، فإذا قيل مُحْرم، قيل للمرأة محرمة. والإحرام : هو الدخول فيه، يقال : أحرم القوم : إذا دخلوا في الشهر الحرام، أو في الحرم. فتأويل الكلام : لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون بحجّ أو عمرة. وقوله : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدًا فإن هذا إعلام من الله تعالى ذكره عباده حكم القاتل من المحرمين الصيد الذي نهاه عن قتله متعمدا.
ثم اختلف أهل التأويل في صفة العمد الذي أوجب الله على صاحبه به الكفارة والجزاء في قتله الصيد. فقال بعضهم : هو العمد لقتل الصيد مع نسيان قاتله إحرامه في حال قتله، وقال : إن قتله وهو ذاكر إحرامه متعمدا قتله فلا حكم عليه وأمره إلى الله. قالوا : وهذا أجلّ أمرا من أن يحكم عليه أو يكون له كفّارة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :" وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النّعَمِ " من قتله منكم ناسيا لإحرامه متعمدا لقتله، فذلك الذي يُحكم عليه. فإن قتله ذاكرا لحُرْمه متعمدا لقتله، لم يحكم عليه.
حدثنا ابن وكيع وابن حميد، قالا : حدثنا جرير، عن ليث، عن مجاهد في الذي يقتل الصيد متعمدا، وهو يعلم أنه محرم ومتعمد قتله، قال : لا يحكم عليه، ولا حجّ له. وقوله : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدا قال : هو العمد المكفر، وفيه الكفارة والخطأ أن يصيبه، وهو ناس إحرامه، متعمدا لقتله، أو يصيبه وهو يريد غيره، فذلك يحكم عليه مرّة.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : لا تَقْتُلُوا الصّيْد وأنْتُمْ حُرُمٌ، وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدًا غير ناس لحرمه ولا مريد غيره، فقد حلّ وليست له رخصة. ومن قتله ناسيا أو أراد غيره فأخطأ به، فذلك العمد المكفر.
حدثنا يعقوب، قال : حدثنا هشيم، عن ليث، عن مجاهد، في قوله : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدا قال : متعمدا لقتله، ناسيا لإحرامه.
حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي، قال : حدثنا الفضيل بن عياض، عن ليث، عن مجاهد، قال : العمد هو الخطأ المكفّر.
حدثنا الحسن بن عرفة، قال : حدثنا يونس بن محمد، قال : حدثنا عبد الواحد بن زياد، قال : حدثنا ليث قال : قال مجاهد : قوله الله :" وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدا فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النّعَمِ " قال : فالعمد الذي ذكر الله تعالى أن يصيب الصيد وهو يريد غيره فيصيبه، فهذا العمد المكفّر فأما الذي يصيبه غيرَ ناس ولا مريد لغيره، فهذا لا يحكم عليه، هذا أجَلّ من أن يحكم عليه.
حدثنا ابن وكيع، ومحمد بن المثنى، قالا : حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الهيثم، عن الحكم، عن مجاهد، أنه قال في هذه الآية :" وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدا " قال : يقتله متعمدا لقتله، ناسيا لإحرامه.
حدثنا ابن المثنى، قال : حدثنا ابن أبي عديّ، قال : حدثنا شعبة، عن الهيثم، عن الحكم، عن مجاهد، مثله.
حدثنا هناد، قال : حدثنا ابن أبي زائدة، قال : قال ابن جريج : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدا غير ناس لحُرمه ولا مريد غيره، فقد حلّ وليست له رخصة. ومن قتله ناسيا لحرمه أو أراد غيره فأخطأ به، فذلك العمد المكفّر.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا سهل بن يوسف، عن عمرو، عن الحسن : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدا للصيد ناسيا لإحرامه، فمن اعْتَدَى بَعْدَ ذلك متعمدا للصيد يذكر إحرامه.
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا محمد بن أبي عديّ، قال : حدثنا إسماعيل بن مسلم، قال : كان الحسن يفتي فيمن قتل الصيد متعمدا ذاكرا لإحرامه : لم يحكم عليه. قال إسماعيل، وقال حماد عن إبراهيم، مثل ذلك.
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا عفان بن مسلم، قال : حدثنا حماد بن سلمة، قال : أمرني جعفر بن أبي وحشية أن أسأل عمرو بن دينار عن هذه الاية : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدا فَجَرَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النّعَمِ. . . الاية، فسألته، فقال : كان عطاء يقول : هو بالخيار أيّ ذلك شاء فعل، إن شاء أهدى وإن شاء أطعم وإن شاء صام. فأخبرت به جعفرا، وقلت : ما سمعتَ فيه ؟ فتلكأ ساعة ثم جعل يضحك، ولا يخبرني، ثم قال : كان سعيد بن جبير يقول : يحكم عليه من النعم هديا بالغ الكعبة، فإن لم يجد يحكم عليه ثمنه، فقوّم طعاما فتصدّق، فإن لم يجد عليه حكم الصيام فيه من ثلاثة أيام إلى عشرة.
حدثنا ابن البرقي، قال : حدثنا ابن أبي مريم، قال : أخبرنا نافع بن يزيد، قال أخبرني ابن جريج، قال : قال مجاهد : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدا غير ناس لحُرمه ولا مريد غيره فقد حلّ وليست له رخصة، ومن قتله ناسيا أو أراد غيره فأخطأ به، فذلك العمد المكفّر.
حدثنا يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد : أما الذي يتعمد فيه الصيد وهو ناس لحرمه أو جاهل أن قتله غير محرّم، فهؤلاء الذين يحكم عليهم. فأما من قتله متعمدا بعد نهي الله وهو يعرف أنه محروم وأنه حرام، فذلك يوكل إلى نقمة الله، وذلك الذي جعل الله عليه النقمة.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا هشيم، عن ليث، عن مجاهد، في قوله :" وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدا " قال : متعمدا لقتله، ناسيا لإحرامه.
وقال آخرون : بل ذلك هو العمد من المحرم لقتل الصيد ذاكرا لحُرمه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا هناد، قال : حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء، قال : يحكم عليه في العمد والخطإ والنسيان.
حدثنا هناد، قال : حدثنا ابن أبي زائدة، قال : حدثنا ابن جريج، وحدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، قال : قال طاوس : والله ما قال الله إلاّ : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدا.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرني بعض أصحابنا عن الزهري أنه قال : نزل القرآن بالعمد، وجرت السنة في الخطإ. يعني في المحرم يصيب الصيد.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله : " يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ " قال : إن قتله متعمدا أو ناسيا حكم عليه، وإن عاد متعمدا عجلت له العقوبة، إلاّ أن يعفو الله.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جبير، قال : إنما جعلت الكفّارة في العمد، ولكن غلّظ عليهم في الخطأ كي يتقوا.
حدثنا عمرو بن عليّ، قال : حدثنا أبو معاوية ووكيع، قالا : حدثنا الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جبير، نحوه.
حدثنا ابن البرقي، قال : حدثنا ابن أبي مريم، قال : أخبرنا نافع بن يزيد، قال : أخبرنا ابن جريج، قال : كان طاوس يقول : والله ما قال الله إلاّ : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمّدا.
والصواب من القول في ذلك عندنا، أن يقال : إن الله تعالى حرّم قتل صيد البرّ على كل محرم في حال إحرامه ما دام حراما، بقوله : يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصّيْدَ ثم بين حكم من قتل ما قتل من ذلك في حال إحرامه متعمدا لقتله، ولم يخصص به المتعمد قتله في حال نسيانه إحرامه، ولا المخطئ في قتله في حال ذكره إحرامه، بل عمّ في التنزيل بإيجاب كلّ قاتل صيد في حال إحرامه متعمدا. وغير جائز إحالة ظاهر التنزيل إلى باطن من التأويل لا دلالة عليه من نصّ كتاب ولا خبر لرسول الله ﷺ ولا إجماع من الأمة ولا دلالة من بعض هذه الوجوه. فإذ كان ذلك كذلك، فسواء كان قاتل الصيد من المحرمين عامدا قتله ذاكرا لإحرامه، أو عامدا قتله ناسيا لإحرامه، أو قاصدا غيره فقتله ذاكرا لإحرامه، في أنّ على جميعهم من الجزاء ما قال ربنا تعالى وهو : مثل ما قتل من النّعَم يحكم بِهِ ذوا عدل من المسلمين أو كفّارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما وهذا قول عطاء والزهري الذي ذكرناه عنهما، دون القول الذي قاله مجاهد.
وأما ما يلزم بالخطأ قاتله، فقد بينا القول فيه في كتابنا «كتاب لطيف القول في أحكام الشرائع » بما أغنى عن ذكره في هذا الموضع. وليس هذا الموضع موضع ذكره، لأن قصدنا في هذا الكتاب الإبانة عن تأويل التنزيل، وليس في التنزيل للخطإ ذكر فنذكر أحكامه.
وأما قوله :" فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النّعَمِ " فإنه يقول : وعليه كفارة وبدل، يعني بذلك : جزاء الصيد المقتول يقول تعالى ذكره : فعلى قاتل الصيد جزاء الصيد المقتول مثل ما قتل من النعم. وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله :«فَجَزَاؤُهُ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النّعَمِ ».
وقد اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة وبعض البصريين :«فَجَزَاءُ مِثْلِ ما قَتَلَ مِنَ النّعَمِ » بإضافة الجزاء إلى المثل وخفض المثل. وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفيين : فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ بتنوين «الجزاء » ورفع «المثل » بتأويل : فعليه جزاء مثل ما قتل.
وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ : فَجَزَاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ بتنوين «الجزاء » ورفع «المثل »، لأن الجزاء هو المثل، فلا وجه لإضافة الشيء إلى نفسه. وأحسب أن الذين قرأوا ذلك بالإضافة، رأوا أن الواجب على قاتل الصيد أن يجزى مثله من الصيد بمثل من النعم وليس كذلك كالذي ذهبوا إليه، بل الواجب على قاتله أن يجزى المقتول نظيره من النعم. وإذ كان ذلك كذلك، فالمثل هو الجزاء الذي أوجبه الله تعالى على قاتل الصيد، ولن يضاف الشيء إلى نفسه، ولذلك لم يقرأ ذلك قارئ علمناه بالتنوين ونصب المثل. ولو كان المثل غير الجزاء لجاز في المثل النصب إذا نون الجزاء، كما نصب اليتيم إذ كان غير الإطعام في قوله : " أوْ إطْعامٌ فِي ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيما ذَا مَقْرَبَةٍ " وكما نصب الأموات والأحياء ونون الكفات في قوله :: ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفاتا أحْياءً وأمْوَاتا " إذ كان الكفات غير الأحياء والأموات. وكذلك الجزاء، لو كان غير المثل لاتسعت القراءة في المثل بالنصب إذا