مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يا أيها الذين ءامنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : المراد بالصيد قولان. الأول : أنه الذي توحش سواء كان مأكولا أو لم يكن، فعلى هذا المحرم إذا قتل سبعا لا يؤكل لحمه ضمر ولا يجاور به قيمة شاة، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، وقال زفر : يجب بالغا ما بلغ.
والقول الثاني : أن الصيد هو ما يؤكل لحمه، فعلى هذا لا يجب الضمان البتة في قتل السبع، وهو قول الشافعي رحمه الله وسلم أبو حنيفة رحمه الله أنه لا يجب الضمان في قتل الفواسق الخمس وفي قتل الذئب حجة الشافعي رحمه الله القرآن والخبر، أما القرآن فهو أن الذي يحرم أكله ليس بصيد، فوجب أن لا يضمن، إنما قلنا إنه ليس بصيد لأن الصيد ما يحل أكله لقوله تعالى بعد هذه الآية ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ فهذا يقتضي حل صيد البحر بالكلية، وحل صيد البر خارج وقت الإحرام، فثبت أن الصيد ما يحل أكله والسبع لا يحل أكله، فوجب أن لا يكون صيدا، وإذا ثبت أنه ليس بصيد وجب أن لا يكون مضمونا، لأن الأصل عدم الضمان، تركنا العمل به في ضمان الصيد بحكم هذه الآية، فبقي فيما ليس بصيد على وفق الأصل، وأما الخبر فهو الحديث المشهور وهو قوله عليه السلام :«خمس فواسق لا جناح على المحرم أن يقتلهن في الحل والحرم الغراب والحدأة والحية والعقرب والكلب العقور » وفي رواية أخرى : والسبع الضاري، والاستدلال به من وجوه : أحدها : أن قوله : والسبع الضاري نص في المسألة، وثانيها : أنه عليه السلام وصفها بكونها فواسق ثم حكى بحل قتلها، والحكم المذكور عقيب الوصف المناسب مشعر بكون الحكم معلالا بذلك الوصف، وهذا يدل على أن كونها فواسق علة لحل قتلها، ولا معنى لكونها فواسق إلا كونها مؤذية، وصفة الإيذاء في السباع أقوى فوجب جواز قتلها، وثالثها : أن الشارع خصها بإباحة القتل، وإنما خصها بهذا الحكم لاختصاصها بمزيد الإيذاء، وصفة الإيذاء في السباع أتم، فوجب القول بجواز قتلها. وإذا ثبت جواز قتلها وجب أن لا تكون مضمونة لما بيناه في الدليل الأول.
حجة أبي حنيفة رحمه الله : أن السبع صيد فيدخل تحت قوله ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾ وإنما قلنا إنه صيد لقول الشاعر :
ليث تربى ربية فاصطيدا ***. . .
ولقول علي عليه السلام :
صيد الملوك أرانب وثعالبوإذا ركبت فصيدي الأبطال
والجواب : قد بينا بدلالة الآية أن ما يحرم أكله ليس بصيد، وذلك لا يعارضه شعر مجهول، وأما شعر علي عليه السلام فغير وارد، لأن عندنا الثعلب حلال.
المسألة الثانية : حرم جمع حرام، وفيه ثلاثة أقوال : الأول : قيل حرم أي محرمون بالحج، وقيل : وقد دخلتم الحرم، وقيل : هما مرادان بالآية، وهل يدخل فيه المحرم بالعمرة فيه خلاف.
المسألة الثالثة : قوله ﴿لا تقتلوا﴾ يفيد المنع من القتل ابتداء، والمنع منه تسببا، فليس له أن يتعرض إلى الصيد ما دام محرما لا بالسلاح ولا بالجوارح من الكلاب والطيور سواء كان الصيد صيدا لحل أو صيد الحرم، وأما الحلال فله أن يتصيد في الحل وليس له أن يتصيد في الحرم، وإذا قلنا ﴿وأنتم حرم﴾ يتناول الأمرين أعني من كان محرما ومن كان داخلا في الحرم كانت الآية دالة على كل هذه الأحكام.
ثم قال تعالى :﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي فجزاء بالتنوين ؛ ومثل بالرفع والمعنى فعليه جزاء مماثل للمقتول من الصيد فمثل مرفوع لأنه صفة لقوله ﴿فجزاء﴾ قال ولا ينبغي إضافة جزاء إلى المثل. ألا ترى أنه ليس عليه جزاء مثل ما قتل، في الحقيقة إنما عليه جزاء المقتول لا جزاء مثل المقتول الذي لم يقتله وقوله تعالى :﴿من النعم﴾ يجوز أن يكون صفة للنكرة التي هي جزاء ؛ والمعنى فجزاء من النعم مثل ما قتل، وأما سائر القراء فهم قرؤوا ﴿فجزاء مثل﴾ على إضافة الجزاء إلى المثل وقالوا : إنه وإن كان الواجب عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله فإنهم يقولون : أنا أكرم مثلك يريدون أنا أكرمك ونظيره قوله ﴿ليس كمثله شيء﴾ والتقدير : ليس هو كشيء، وقال :﴿أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات﴾ [الأنعام: ١٢٢] والتقدير : كمن هو في الظلمات وفيه وجه آخر وهو أن يكون المعنى فجزاء مثل ما قتل من النعم كقولك خاتم فضة أي خاتم من فضة.
المسألة الثانية : قال سعيد بن جبير : المحرم إذا قتل الصيد خطأ لا يلزمه شيء وهو قول داود وقال جمهور الفقهاء : يلزمه الضمان سواء قتل عمدا أو خطأ حجة داود أن قوله تعالى :﴿ومن قتله منكم متعمدا﴾ مذكور في معرض الشرط، وعند عدم الشرط يلزم عدم المشروط فوجب أن لا يجب الجزاء عند فقدان العمدية قال : والذي يؤكد هذا أنه تعالى قال في آخر الآية ﴿ومن عاد فينتقم الله منه﴾ والانتقام إنما يكون في العمد دون الخطأ وقوله ﴿ومن عاد﴾ المراد منه ومن عاد إلى ما تقدم ذكره، وهذا يقتضي أن الذي تقدم ذكره من القتل الموجب للجزاء هو العمد لا الخطأ وحجة الجمهور قوله تعالى :﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما﴾ ولما كان ذلك حراما بالإحرام صار فعله محظورا بالإحرام فلا يسقط حكمه بالخطأ والجهل كما في حلق الرأس وكما في ضمان مال المسلم فإنه لما ثبتت الحرمة لحق المالك لم يتبدل ذلك بكونه خطأ أو عمدا فكذا هاهنا وأيضا يحتجون بقوله عليه السلام في الضبع كبش إذا قتله المحرم، وقول الصحابة في الظبي شاة، وليس فيه ذكر العمد.
أجاب داود بأن نص القرآن خير من خبر الواحد وقول الصحابي والقياس.
المسألة الثالثة : ظاهر الآية يدل على أنه يجب أن يكون جزاء الصيد مثل المقتول، إلا أنهم اختلفوا في المثل، فقال الشافعي ومحمد بن الحسن : الصيد ضربان : منه ما له مثل، ومنه ما لا مثل له، فما له مثل يضمن بمثله من النعم، وما لا مثل له يضمن بالقيمة. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : المثل الواجب هو القيمة.
وحجة الشافعي : القرآن، والخبر، والإجماع، والقياس، أما القرآن فقوله تعالى :﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ والاستدلال به من وجوه أربعة : الأول : أن جماعة من القراء قرؤوا ﴿فجزاء﴾ بالتنوين، ومعناه : فجزاء من النعم مماثل لما قتل، فمن قال إنه مثله في القيمة فقد خالف النص، وثانيها : أن قوما آخرين قرؤوا ﴿فجزاء مثل ما قتل﴾ بالإضافة، والتقدير : فجزاء ما قتل من النعم، أي فجزاء مثل ما قتل يجب أن يكون من النعم، فمن لم يوجبه فقد خالف النص، ثالثها : قراءة ابن مسعود ﴿فجزاؤه مثل ما قتل من النعم﴾ وذلك صريح فيما قلناه : ورابعها : أن قوله تعالى :﴿يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة﴾ صريح في أن ذلك الجزاء الذي يحكم به ذوا عدل منهم، يجب أن يكون هديا بالغ الكعبة.
فإن قيل : إنه يشري بتلك القيمة هذا الهدى.
قلنا : النص صريح في أن ذلك الشيء الذي يحكم به ذوا عدل يجب أن يكون هديا وأنتم تقولون : الواجب هو القيمة، ثم إنه يكون بالخيار إن شاء اشترى بها هديا يهدي إلى الكعبة، وإن شاء لم يفعل، فكان ذلك على خلاف النص، وأما الخبر : فما روى جابر بن عبد الله أنه سأل رسول الله ﷺ عن الضبع، أصيد هو ؟ فقال :«نعم، وفيه كبش إذا أخذه المحرم »، وهذا نص صريح. وأما الإجماع : فهو أن الشافعي رحمه الله قال : تظاهرت الروايات عن علي وعمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر في بلدان مختلفة وأزمان شتى : أنهم حكموا في جزاء الصيد بالمثل من النعم، فحكموا في النعامة ببدنة، وفي حمار الوحش ببقرة، وفي الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الظبي بشاة، وفي الأرنب بجفرة، وفي رواية بعناق، وفي الضب بسخلة، وفي اليربوع بجفرة وهذا يدل على أنهم نظروا إلى أقرب الأشياء شبها بالصيد من النعم لا بالقيمة ولو حكموا بالقيمة لاختلف باختلاف الأسعار والظبي هو الغزال الكبير الذكر والغزال هو الأنثى واليربوع هو الفأرة الكبيرة تكون في الصحراء، والجفرة الأنثى من أولاد المعز إذا انفصلت عن أمها والذكر جفر والعناق الأنثى من أولاد المعز إذا قويت قبل تمام الحول. وأما القياس فهو أن المقصود من الضمان جزاء الهالك ولا شك أن المماثلة كلما كانت أتم كان الجزاء أتم فكان الإيجاب أولى. حجة أبي حنيفة رحمه الله تعالى : لا نزاع أن الصيد المقتول إذا لم يكن له مثل فإنه يضمن بالقيمة فكان المراد بالمثل في قوله ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ هو القيمة في هذه الصورة، فوجب أن يكون في سائر الصور كذلك لأن اللفظ الواحد لا يجوز حمله إلا على المعنى الواحد.
والجواب : أن حقيقة المماثلة أمر معلوم والشارع أوجب رعاية المماثلة فوجب رعايتها بأقصى الإمكان فإن أمكنت رعايتها في الصورة وجب ذلك وإن لم يكن رعايتها إلا بالقيمة وجب الاكتفاء بها للضرورة.
المسألة الرابعة : جماعة محرمون قتلوا صيدا. قال الشافعي رحمه الله : لا يجب عليهم إلا جزاء واحدا، وهو قول أحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة ومالك والثوري رحمهم الله : يجب على كل واحد منهم جزاء واحد. حجة الشافعي رحمه الله : أن الآية دلت على وجوب المثل، ومثل الواحد واحد وأكد هذا بما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال بمثل قولنا : حجة أبي حنيفة رحمه الله أن كل واحد منهم قاتل فوجب أن يجب على كل واحد منهم جزاء كامل، بيان الأول أن جماعة لو حلف كل واحد منهم أن لا يقتل صيدا فقتلوا صيدا واحدا لزم كل واحد منهم كفارة، وكذلك القصاص المتعلق بالقتل يجب على جماعة يقتلون واحدا، وإذا ثبت أن كل واحد منهم قاتل، وجب أن يجب على كل واحد منهم جزاء كامل لقوله تعالى :﴿ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ فقوله ﴿ومن قتله منكم متعمدا﴾ صيغة عموم فيتناول كل القاتلين. أجاب الشافعي رحمه الله : بأن القتل شيء واحد فيمتنع حصوله بتمامه بأكثر من فاعل واحد فإذا اجتمعوا حصل بمجموع أفعالهم قتل واحد وإذا كان كذلك امتنع كون كل واحد منهم قاتلا في الحقيقة وإذا ثبت أن كل واحد منهم ليس بقاتل لم يدخل تحت هذه الآية وأما قتل الجماعة بالواحد فذاك ثبت على سبيل التعبد وكذا القول في إيجاب الكفارات المتعددة.
المسألة الخامسة : قال الشافعي رحمه الله : المحرم إذا دل غيره على صيد، فقتله المدلول عليه لم يضمن الدال الجزاء، وقال أبو حنيفة رحمه الله : يضمن حجة الشافعي أن وجوب الجزاء معلق بالقتل في هذه الآية والدلالة ليست بقتل فوجب أن لا يجب الضمان ولأنه بدل المتلف فلا يجب بالدلالة ككفارة القتل والدية، وكالدلالة على مال المسلم. حجة أبي حنيفة رحمه الله أنه سأل عمر عن هذه المسألة فشاور عبد الرحمن بن عوف فأجمعا على أن عليه الجزاء وعن ابن عباس أنه أوجب الجزاء على الدال، أجاب الشافعي رحمه الله : بأن نص القرآن خير من أثر بعض الصحابة.
المسألة السادسة : قال الشافعي رحمه الله : إن جرح ظبيا فنقص من قيمته العشر فعليه عشر قيمة الشاة، وقال داود لا يضمن البتة سوى القتل، وقال المزني عليه شاة. حجة داود أن الآية دالة على أن شرط وجوب الجزاء هو القتل، فإذا لم يوجد القتل : وجب أن لا يجب الجزاء البتة،

تفسير هذه الآية من كتب أخرى