جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاببسم الله الرحمَن الرحيم
القول في تأويل قوله تعالى :﴿تَبّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبّ * مَآ أَغْنَىَ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىَ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مّن مّسَدٍ﴾.يقول تعالى ذكره : خَسِرت يدا أبي لهب، وخَسِر هو. وإنما عُنِي بقوله :﴿تَبّتْ يَدَا أبِي لَهَبٍ تبّ﴾ عمله. وكان بعض أهل العربية يقول : قوله :﴿تَبّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ : دعاء عليه من الله.
وأما قوله :﴿وَتَبّ﴾ فإنه خبر. ويُذكر أن ذلك في قراءة عبد الله :«تَبّتْ يَدَا أبِي لَهَبٍ وَقَدْ تَبّ ». وفي دخول «قد » فيه دلالة على أنه خبر، ويمثّل ذلك بقول القائل لآخر : أهلَكك الله، وقد أهلكك، وجعلك صالحا، وقد جعلك. وبنحو الذي قلنا في معنى قوله :﴿تَبّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة ﴿تَبّتْ يَدَا أبِي لَهَبٍ﴾ : أي خسرت وتب.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قول الله :﴿تَبّتْ يَدَا أبِي لَهَبٍ وَتَبّ﴾ قال : التبّ : الخسران، قال : قال أبو لهب للنبيّ ﷺ : ماذا أُعطَى يا محمد إن آمنت بك ؟ قال :«كمّا يُعْطَى المُسْلِمُونَ »، فقال : مالي عليهم فضل ؟ قال :«وأيّ شَيْءٍ تَبْتَغِي ؟ » قال : تبا لهذا من دين تبا، أن أكون أنا وهؤلاء سواء، فأنزل الله :﴿تَبّتْ يَدَا أبِي لَهَبٍ﴾ يقول : بما عملت أيديهم.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة ﴿تَبّتْ يَدَا أبِي لَهَبٍ﴾ قال : خَسِرت يدا أبي لهب وخَسِر.
وقيل : إن هذه السورة نزلت في أبي لهب ؛ لأن النبيّ ﷺ لما خَصّ بالدعوة عشيرتَه، إذ نزل عليه :﴿وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ وجمعهم للدعاء، قال له أبو لهب : تبا لك سائرَ اليوم، ألهذا دعوتنا ؟ ذكر الأخبار الواردة بذلك :
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال : صعد رسول الله ﷺ ذات يوم الصفا، فقال :«يا صَباحاهْ »، فاجتمعت إليه قريش، فقالوا : مالك ؟ قال :«أرأَيْتَكُمْ إنْ أخْبَرْتُكُمْ أنّ العَدُوّ مُصَبّحُكُمْ أوْ مُمَسّيكُمْ، أما كُنْتُمْ تُصَدَقُونِنَي ؟ » قالوا : بلى، قال :«فإني نَذِيرٌ لَكُمْ بَينَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ »، فقال أبو لهب : تَبّا لك، ألهذا دعوتنا وجمعتنا ؟ فأنزل الله :﴿تَبّتْ يَدَا أبي لَهَبٍ﴾ إلى آخرها.
حدثني أبو السائب، قال : حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، مثله.
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا ابن نُمير، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال : لما نزلت ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ قام رسول الله ﷺ على الصّفا ثم نادَى :«يا صَباحاهْ »، فاجتمع الناس إليه، فبَيْنَ رجلٌ يجيء، وبين آخر يبعثُ رسولَه، فقال :«يا بَنِي هاشِمٍ، يا بَنِي عَبْدَ المُطّلِبِ، يا بَنِي فِهْرٍ، يا بَنِي. . . يا بَنِي أرأَيْتَكُمْ لَوْ أخْبَرْتُكُمْ أنّ خَيْلاً بِسَفْحٍ هَذَا الجَبَل » يريد تغير عليكم «صَدّقْتُمُونِي ؟ » قالوا : نعم، قال :«فإنّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَينَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ »، فقال أبو لهب : تَبّا لك سائر اليوم، ألهذا دعوتنا ؟ فنزلت :﴿تَبّتْ يَدَا أَبي لَهَبٍ وَتَبّ﴾ ».
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا أبو أُسامة، عن الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية :( ﴿وأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ ورهطك منهم المخلصين )، خرج رسول الله ﷺ، حتى صعد الصفا، فهتف :«يا صَباحاهْ »، فقالوا : مَنْ هذا الذي يهتف ؟ فقالوا : محمد، فاجتمعوا إليه، فقال :«يا بَنِي فُلانٍ، يا بَنِي فُلانٍ، يا بَنِي عَبْدَ المُطّلِبِ، يا بَنِي عَبْدَ مَنافٍ »، فاجتمعوا إليه، فقال :«أرأَيْتَكُمْ لَوْ أخْبَرْتُكُمْ أنّ خَيْلاً تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الجَبَلِ أكُنْتُمْ مُصَدّقْي ؟ » قالوا : ما جرّبنا عليك كذبا، قال :«فإنّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَينَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ »، فقال أبو لهب : تَبّا لك ما جمعتنا إلا لهذا ؟ ثم قام فنزلت هذه السورة :«تَبّتْ يَدَا أبِي لَهَبٍ وَقَدْ تَبّ » كذا قرأ الأعمش إلى آخر السورة.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا مهران، عن سفيان، في قوله :﴿تَبّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ قال : حين أرسل النبيّ ﷺ إليه وإلى غيره، وكان أبو لهب عمّ النبيّ ﷺ، وكان اسمه عبد العُزّى، فذكرهم، فقال أبو لهب : تَبا لك، في هذا أرسلت إلينا ؟ فأنزل الله :﴿تَبّتْ يَدَا أبِي لَهَبٍ﴾.