اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ يجوز أن يكون «في جيدها » خبراً ل «امرأته »، و «حبل » فاعلاً به، وأن يكون حالاً من امرأته على كونها فاعلة، و«حَبْلٌ » مرفوع به أيضاً، وأن يكون خبراً مقدماً، و«حَبْلٌ » مبتدأ مؤخر، والجملة حالية، أو خبر ثان.
والجيدُ : العُنُق.
قال امرؤ القيس :[ الطويل ]
و«مِنْ مسدٍ » صفة ل «حبل »، والمسد : ليف المقل.
وقيل : الليف مطلقاً.
قال النابغة :[ البسيط ]
وقد يكون من جلود الإبل وأوبارها ؛ قال الشاعر :[ الرجز ]
وجمع المسد : أمساد.
وقال أبو عبيدة : هو حبل يكون من صوف.
وقال الحسن : هي حبال من شجرٍ ينبت ب «اليمن » يسمى المسد، وكانت تفتل.
قال الضحاك وغيره : هذا في الدنيا، وكانت تعيرُ النبي ﷺ بالفقر، وهي تحتطب في حبلٍ تجعله في عنقها من ليفٍ، فخنقها الله - عزَّ وجلَّ - به فأهلكها، وهو في الآخرة حبل من نار(٤) يلف على عنقها.
وعن ابن عباس : حبل من مسد، قال : سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً، وهو قول مجاهد وعروة بن الزبير، يدخل في فيها، ويخرج من أسفلها، ويلوى سائرها على عنقها، وقال قتادة :«حبل من مسد » حبل من وَدَعٍ.
وقال الحسن : إنما كان حرزاً في عنقها.
وقال سعيد بن المسيب : كانت قلادة واحدة من جوهر، فقالت : واللات والعزى لأنفقها في عداوة محمد ﷺ، ويكون عذاباً في جيدها يوم القيامة.
وقيل : إن ذلك إشارة إلى الخذلان، يعني أنها مربوطة عن الإيمان بما سبق لها من الشقاء، كالمربوط في جيدها بحبل من مسد.
والمسدُ : الفَتْلُ، يقال : مسد حبله يمسده مسداً، أي : أجاد فتلهُ.
قال :[ الرجز ]
٥٣٥١ *** يَمْسدُ أعْلَى لحْمِهِ ويَأرِمُهْ(٥) ***
يقول : إن البقل يقوي ظهر هذا الحمار.
وقال ابن الخطيب(٦) : وقيل : المسد يكون من الحديد، وظنُّ من ظنَّ أن المسد لا يكون من الحديد خطأ ؛ لأن المسد هو المفتول سواء كان من الحديد، أو من غيره، ورجل ممسود، أي : مجدول الخلق، وجارية حسنة المسد، والعصب، والجدل، والأرم، وهي ممسودة، ومعصوبة، ومجدولة، ومأرومة ؛ والمساد : على «فِعَال » : لغة في المساب، وهي نحي السمن، وسقاء العسل، قال كل ذلك الجوهري(٧).
[ فإن قيل : إن كان هذا الحبل كيف يبقى أبداً في النار ؟
قلنا : كما يبقى الجلد واللحم والعظم أبداً في النار ].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: فصل في الإخبار عن الغيب
تضمنت هذه الأيات الإخبار عن الغيب من ثلاثة أوجه :
أولها : الإخبار عنه بالتباب، والخسار، وقد كان ذلك.
وثانيها : الإخبار عنه بعدم الانتفاع بماله وولده، وقد كان ذلك.
وثالثها : الإخبار بأنه من أهل النَّار، وقد كان ذلك ؛ لأنه مات على الكفر، هو وامرأته، ففي ذلك معجزة للنبي ﷺ، فامرأته خنقها الله - تعالى - بحبلها، لعنها الله تعالى، وأبو لهبٍ رماه الله بالعدسةِ، بعد وقعة بدر بسبع ليال، فمات، وأقام ثلاثة أيام، ولم يدفن حتى أنتن، ثم إن ولده غسلوه بالماء قذفاً من بعيد مخافة عدوى العدسةِ، وكانت قريش تتقيها كما يتقى الطاعون، ثم احتملوه إلى أعلى «مكة»، وأسندوه إلى جدار، ثم صمُّوا عليه الحجارة.فصل في جواز تكليف ما لا يطاق
احتج أهل السنة على جواز تكليف ما لا يطاق بأنه تعالى كلف أبا لهب بالإيمان مع تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه، ومما أخبر عنه أنه لا يؤمن، وأنه من أهل النار، فقد صار مكلفاً بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وهذا تكليف بالجمع بين النقيضين، وهو محال، وذلك مذكور في أصول الفقه.
تضمنت هذه الأيات الإخبار عن الغيب من ثلاثة أوجه :
أولها : الإخبار عنه بالتباب، والخسار، وقد كان ذلك.
وثانيها : الإخبار عنه بعدم الانتفاع بماله وولده، وقد كان ذلك.
وثالثها : الإخبار بأنه من أهل النَّار، وقد كان ذلك ؛ لأنه مات على الكفر، هو وامرأته، ففي ذلك معجزة للنبي ﷺ، فامرأته خنقها الله - تعالى - بحبلها، لعنها الله تعالى، وأبو لهبٍ رماه الله بالعدسةِ، بعد وقعة بدر بسبع ليال، فمات، وأقام ثلاثة أيام، ولم يدفن حتى أنتن، ثم إن ولده غسلوه بالماء قذفاً من بعيد مخافة عدوى العدسةِ، وكانت قريش تتقيها كما يتقى الطاعون، ثم احتملوه إلى أعلى «مكة»، وأسندوه إلى جدار، ثم صمُّوا عليه الحجارة.
احتج أهل السنة على جواز تكليف ما لا يطاق بأنه تعالى كلف أبا لهب بالإيمان مع تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه، ومما أخبر عنه أنه لا يؤمن، وأنه من أهل النار، فقد صار مكلفاً بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وهذا تكليف بالجمع بين النقيضين، وهو محال، وذلك مذكور في أصول الفقه.
والجيدُ : العُنُق.
قال امرؤ القيس :[ الطويل ]
| ٥٣٤٨- وجِيدٍ كَجِيدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بفَاحِشٍ | إذَا هِيَ نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطَّلِ(١) |
وقيل : الليف مطلقاً.
قال النابغة :[ البسيط ]
| ٥٣٤٩- مَقْذُوفةٍ بدَخيسِ النَّحضِ بَازلُهَا | لَهُ صَريفٌ صَريفَ القََعْوِ بالمسَدِ(٢) |
| ٥٣٥٠- ومَسَدٍ أمِرَّ مِنْ أيانِقِ | ليْسَ بأنْيَابٍ ولا حَقَائِقِ(٣) |
وقال أبو عبيدة : هو حبل يكون من صوف.
وقال الحسن : هي حبال من شجرٍ ينبت ب «اليمن » يسمى المسد، وكانت تفتل.
فصل
قال الضحاك وغيره : هذا في الدنيا، وكانت تعيرُ النبي ﷺ بالفقر، وهي تحتطب في حبلٍ تجعله في عنقها من ليفٍ، فخنقها الله - عزَّ وجلَّ - به فأهلكها، وهو في الآخرة حبل من نار(٤) يلف على عنقها.
وعن ابن عباس : حبل من مسد، قال : سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً، وهو قول مجاهد وعروة بن الزبير، يدخل في فيها، ويخرج من أسفلها، ويلوى سائرها على عنقها، وقال قتادة :«حبل من مسد » حبل من وَدَعٍ.
وقال الحسن : إنما كان حرزاً في عنقها.
وقال سعيد بن المسيب : كانت قلادة واحدة من جوهر، فقالت : واللات والعزى لأنفقها في عداوة محمد ﷺ، ويكون عذاباً في جيدها يوم القيامة.
وقيل : إن ذلك إشارة إلى الخذلان، يعني أنها مربوطة عن الإيمان بما سبق لها من الشقاء، كالمربوط في جيدها بحبل من مسد.
والمسدُ : الفَتْلُ، يقال : مسد حبله يمسده مسداً، أي : أجاد فتلهُ.
قال :[ الرجز ]
٥٣٥١ *** يَمْسدُ أعْلَى لحْمِهِ ويَأرِمُهْ(٥) ***
يقول : إن البقل يقوي ظهر هذا الحمار.
وقال ابن الخطيب(٦) : وقيل : المسد يكون من الحديد، وظنُّ من ظنَّ أن المسد لا يكون من الحديد خطأ ؛ لأن المسد هو المفتول سواء كان من الحديد، أو من غيره، ورجل ممسود، أي : مجدول الخلق، وجارية حسنة المسد، والعصب، والجدل، والأرم، وهي ممسودة، ومعصوبة، ومجدولة، ومأرومة ؛ والمساد : على «فِعَال » : لغة في المساب، وهي نحي السمن، وسقاء العسل، قال كل ذلك الجوهري(٧).
[ فإن قيل : إن كان هذا الحبل كيف يبقى أبداً في النار ؟
قلنا : كما يبقى الجلد واللحم والعظم أبداً في النار ].
تضمنت هذه الأيات الإخبار عن الغيب من ثلاثة أوجه :
أولها : الإخبار عنه بالتباب، والخسار، وقد كان ذلك.
وثانيها : الإخبار عنه بعدم الانتفاع بماله وولده، وقد كان ذلك.
وثالثها : الإخبار بأنه من أهل النَّار، وقد كان ذلك ؛ لأنه مات على الكفر، هو وامرأته، ففي ذلك معجزة للنبي ﷺ، فامرأته خنقها الله - تعالى - بحبلها، لعنها الله تعالى، وأبو لهبٍ رماه الله بالعدسةِ، بعد وقعة بدر بسبع ليال، فمات، وأقام ثلاثة أيام، ولم يدفن حتى أنتن، ثم إن ولده غسلوه بالماء قذفاً من بعيد مخافة عدوى العدسةِ، وكانت قريش تتقيها كما يتقى الطاعون، ثم احتملوه إلى أعلى «مكة»، وأسندوه إلى جدار، ثم صمُّوا عليه الحجارة.
احتج أهل السنة على جواز تكليف ما لا يطاق بأنه تعالى كلف أبا لهب بالإيمان مع تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه، ومما أخبر عنه أنه لا يؤمن، وأنه من أهل النار، فقد صار مكلفاً بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وهذا تكليف بالجمع بين النقيضين، وهو محال، وذلك مذكور في أصول الفقه.
١ تقدم..
٢ ينظر ديوانه ص ١٦، وجمهرة اللغة ص ٥٧٨، ٧٤١، ٩٤٤، والدرر ٣/٧٦، وشرح أبيات سيبويه ١/٣١، وشرح الأشموني ٢/٥٧، والكتاب ١/٣٥٥، واللسان (صرف)، (قذف)، (بزل)، (قعا)ن (دخس)، وشرح الأشموني ٢/٥٧، ومجالس ثعلب ص ٣٤٠، وهمع الهوامع ١/١٩٣..
٣ البيتان لعمارة بن طارق، ونسيا إلى عقبة الهجيمي.
ينظر اللسان (مسد)، ومجاز القرآن ٢/٣١٥، والكشاف ٤/٨١٦، والقرطبي ٢٠/١٦٤، ومجمع البيان ١٠/٨٥١، والدر المصون ٦/٥٨٧..
٤ ينظر تفسير الماوردي (٦/٣٦٧)، والقرطبي (٢٠/١٦٤)..
٥ ينظر اللسان (مسد) والقرطبي ٢٠/١٦٥..
٦ ينظر الفخر الرازي ٣٢/١٥٩..
٧ ينظر: الصحاح ٢/٥٣٨، ٥٣٩..
٢ ينظر ديوانه ص ١٦، وجمهرة اللغة ص ٥٧٨، ٧٤١، ٩٤٤، والدرر ٣/٧٦، وشرح أبيات سيبويه ١/٣١، وشرح الأشموني ٢/٥٧، والكتاب ١/٣٥٥، واللسان (صرف)، (قذف)، (بزل)، (قعا)ن (دخس)، وشرح الأشموني ٢/٥٧، ومجالس ثعلب ص ٣٤٠، وهمع الهوامع ١/١٩٣..
٣ البيتان لعمارة بن طارق، ونسيا إلى عقبة الهجيمي.
ينظر اللسان (مسد)، ومجاز القرآن ٢/٣١٥، والكشاف ٤/٨١٦، والقرطبي ٢٠/١٦٤، ومجمع البيان ١٠/٨٥١، والدر المصون ٦/٥٨٧..
٤ ينظر تفسير الماوردي (٦/٣٦٧)، والقرطبي (٢٠/١٦٤)..
٥ ينظر اللسان (مسد) والقرطبي ٢٠/١٦٥..
٦ ينظر الفخر الرازي ٣٢/١٥٩..
٧ ينظر: الصحاح ٢/٥٣٨، ٥٣٩..
فصل في الإخبار عن الغيب
تضمنت هذه الأيات الإخبار عن الغيب من ثلاثة أوجه :
أولها : الإخبار عنه بالتباب، والخسار، وقد كان ذلك.
وثانيها : الإخبار عنه بعدم الانتفاع بماله وولده، وقد كان ذلك.
وثالثها : الإخبار بأنه من أهل النَّار، وقد كان ذلك ؛ لأنه مات على الكفر، هو وامرأته، ففي ذلك معجزة للنبي ﷺ، فامرأته خنقها الله - تعالى - بحبلها، لعنها الله تعالى، وأبو لهبٍ رماه الله بالعدسةِ، بعد وقعة بدر بسبع ليال، فمات، وأقام ثلاثة أيام، ولم يدفن حتى أنتن، ثم إن ولده غسلوه بالماء قذفاً من بعيد مخافة عدوى العدسةِ، وكانت قريش تتقيها كما يتقى الطاعون، ثم احتملوه إلى أعلى «مكة»، وأسندوه إلى جدار، ثم صمُّوا عليه الحجارة.
فصل في جواز تكليف ما لا يطاق
احتج أهل السنة على جواز تكليف ما لا يطاق بأنه تعالى كلف أبا لهب بالإيمان مع تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه، ومما أخبر عنه أنه لا يؤمن، وأنه من أهل النار، فقد صار مكلفاً بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وهذا تكليف بالجمع بين النقيضين، وهو محال، وذلك مذكور في أصول الفقه.