الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿فِي جِيدِهَا﴾ عنقها، قال ذو الرمة :
فعينك عينها، ولونك لونهاوجيدك إلا أنها غير عاطل
وجمعها أجياد، قال الأعمش :
وبيداء تحسب آرامهارجال إياد بأجيادها
﴿حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ أختلفوا فيه، فقال ابن عباس وعروة بن الزبير : سلسلة من حديد ذرعها سبعون ذراعاً، يدخل من فيها فيخرج من دبرها، ويلوى سائرها في عنقها. وقال السدي : حلق الحديد، وهي السلسلة تختلف في جهنم كما يختلف الحبل والدلو في البئر. وروى الأعمش عن مجاهد : من حديد. منصور عنه : المسد : الحديدة التي تكون في البكرة، ويقال له : المحور، وإليه ذهب عطاء وعكرمة. الشعبي ومقاتل : من ليف. الضحاك وغيره : في الدنيا من ليف، وهو الحبل الذي كانت تحطب به، فخنقها الله تعالى به فأهلكها، وفي الآخرة من نار. قتادة : قلادة من ردع. الحسن : إنما كانت خرزات في عنقها. سعيد بن المسيب : كانت لها قلادة في عنقها فاخرة، فقالت : لأنفقها في عداوة محمد. ابن زيد : حبال من شجر ينبت في اليمن يقال لها : المسد، وكانت تفتل المروج من شهر الحرم والسلم، والمسد في كلام العرب كل حبل غيروا أمر ليفاً كان أو غيره، وأصله من المسد وهو الفتل، ودابة ممسودة الخلق إذا كانت شديدة الأسر، قال : الشاعر :
مسد أمر من أيانقليس بأنياب ولا حقائق
وجمعها أمساد، قال : الأعشى :
تمسي فيصرف بابها من دونناغلقاً صريف محالة الأمساد
وسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد النيسابوري يقول : سمعت أبا نصر أحمد بن محمد بن ملجان البصري يقول : سمعت بشر بن موسى الأسدي يقول : سمعت الأصمعي يقول : صلّى أربعة من الشعراء خلف إمام اسمه يحيى، فقرأ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] فيتعتع فيها، فقال أحدهم :
أكثر يحيى غلطاًفي ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾
فقال الثاني :
قام طويلا ساكتاًحتى إذا أعيا سجد
فقال الثالث :
يزجر في محرابهزجير حبلى لولد
فقال الرابع :
كأنّما لسانه *** شدّ بحبل من مسد
وفي هذه السورة دلالة واضحة على نبوة نبينا محمد ﷺ، وذلك أن الله سبحانه أخبر عن مصير أبي لهب وامرأته الى النار، وكانا من أحرص الناس على تكذيب النبي ﷺ، فلم يحملهما ذلك على إظهار الإيمان حتى يكذبا رسول الله ﷺ ؛ بل داما على كفرهما حتى علم أن وعيد الله سبحانه إياهما وإخباره عن مصيرهما إلى النار حق وصدق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى