فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
الخطاب لرسول الله ﷺ أو لكل من يصلح له. والاستفهام لقصد التعجيب من حال من يكذب بالدين. والرؤية : بمعنى المعرفة، والدين : الجزاء والحساب في الآخرة. قيل : وفي الكلام حذف، والمعنى : أرأيت الذي يكذب بالدين أمصيب هو أم مخطئ. قال مقاتل، والكلبي : نزلت في العاص بن وائل السهمي. وقال السدي : في الوليد بن المغيرة. وقال الضحاك : في عمرو بن عائذ. وقال ابن جريج في أبي سفيان. وقيل : في رجل من المنافقين. قرأ الجمهور :﴿أرأيت﴾ بإثبات الهمزة الثانية. وقرأ الكسائي بإسقاطها. قال الزجاج : لا يقال في «رأيت » : ريت، ولكن ألف الاستفهام سهلت الهمزة ألفاً. وقيل الرؤية : هي البصرية، فيتعدّى إلى مفعول واحد، وهو الموصول : أي أبصرت المكذب. وقيل : إنها بمعنى أخبرني، فيتعدى إلى اثنين. الثاني محذوف، أي من هو ؟
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿أَرَأيْتَ الذي يُكَذّبُ بالدين﴾ قال : يكذب بحكم الله. ﴿فَذَلِكَ الذي يَدُعُّ اليتيم﴾ قال : يدفعه عن حقه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عنه ﴿فَوَيْلٌ للْمُصَلّينَ الذين هُمْ عَن صلاتهم سَاهُونَ﴾ قال : هم المنافقون يراءون الناس بصلاتهم إذا حضروا، ويتركونها إذا غابوا، ويمنعونهم العارية بغضاً لهم، وهي الماعون. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه عنه أيضاً :﴿الذين هُمْ عَن صلاتهم سَاهُونَ﴾ قال : هم : المنافقون يتركون الصلاة في السرّ، ويصلون في العلانية. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن مصعب بن سعد قال : قلت لأبيّ : أرأيت قول الله :﴿الذين هُمْ عَن صلاتهم سَاهُونَ﴾ أينا لا يسهو ؟ أينا لا يحدّث نفسه ؟ قال : إنه ليس ذلك، إنه إضاعة الوقت.
وأخرج أبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن سعد بن أبي وقاص قال : سألت النبيّ ﷺ عن قوله :﴿الذين هُمْ عَن صلاتهم سَاهُونَ﴾ قال :«هم الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها»
قال الحاكم، والبيهقي : الموقوف أصح. قال ابن كثير : وهذا يعني الموقوف أصح إسناداً. قال : وقد ضعف البيهقي رفعه وصحّح وقفه، وكذلك الحاكم. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه قال السيوطي بسند ضعيف عن أبي برزة الأسلمي قال : لما نزلت هذه الآية :﴿الذين هُمْ عَن صلاتهم سَاهُونَ﴾ قال رسول الله ﷺ :«الله أكبر، هذه الآية خير لكم من أن يعطى كلّ رجل منكم جميع الدنيا، هو الذي إن صلى لم يرج خير صلاته، وإن تركها لم يخف ربه» وفي إسناده جابر الجعفي، وهو ضعيف، وشيخه مبهم لم يسمّ. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال : هم الذين يؤخرونها عن وقتها. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وأبو داود، والنسائي، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه، والبيهقي في سننه من طرق عن ابن مسعود قال : كنا نعدّ الماعون على عهد رسول الله ﷺ عارية الدلو، والقدر، والفأس، والميزان، وما تتعاطون بينكم. وأخرج ابن مردويه عنه قال : كان المسلمون يستعيرون من المنافقين القدر، والفأس، وشبهه، فيمنعونهم، فأنزل الله :﴿وَيَمْنَعُونَ الماعون﴾.
وأخرج أبو نعيم، والديلمي، وابن عساكر عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ في الآية قال :«ما تعاون الناس بينهم الفأس، والقدر، والدلو، وأشباهه» وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن قرّة بن دعموص النميري : أنهم وفدوا إلى رسول الله ﷺ، فقالوا : يا رسول الله ما تعهد إلينا ؟ قال :«لا تمنعوا الماعون» قالوا : وما الماعون ؟ قال :«في الحجر، والحديدة، وفي الماء» قالوا : فأيّ الحديدة ؟ قال :«قدوركم النحاس، وحديد الفأس الذي تمتهنون به» قالوا : وما الحجر ؟ قال :«قدوركم الحجارة» قال ابن كثير : غريب جداً، ورفعه منكر، وفي إسناده من لا يعرف. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير عن سعيد بن عياض عن أصحاب النبيّ ﷺ :﴿الماعون﴾ : الفأس، والقدر، والدلو. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي، والضياء في المختارة من طرق عن ابن عباس في الآية قال : عارية متاع البيت. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي في سننه عن عليّ بن أبي طالب قال : الماعون الزكاة المفروضة ﴿يُرَاءونَ﴾ بصلاتهم ﴿وَيَمْنَعُونَ﴾ زكاتهم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى