الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿لَوَّاحَةٌ﴾ : قرأ العامَّةُ بالرفع خبرَ مبتدأ مضمر، أي : هي لَوَّاحَةٌ. وهذه مُقَوِّيةٌ للاستئنافِ في " لا تُبْقي ". وقرأ الحسن وابنُ أبي عبلة وزيدُ بن علي وعطيةُ العَوْفي بنَصْبِها على الحال، وفيها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها : أنها حالٌ مِنْ " سقرُ " والعاملُ معنى التعظيمِ كما تقدَّم. والثاني : أنها حالٌ مِنْ " لا تُبْقي ". والثالث : مِنْ " لا تذرُ ". وجَعَلَ الزمخشري نَصْبَها على الاختصاصِ للتهويل، وجعلها الشيخ حالاً مؤكدة قال :" لأنَّ النارَ التي لا تُبْقي ولا تَذَرُ لا تكونُ إلاَّ مُغَيِّرةً للإِبشارِ " " ولَوَّاحَةٌ " بناءُ مبالغةٍ، وفيها معنيان، أحدهما : مِنْ لاح يَلُوح، أي : ظهر، أي : إنها تظهر للبَشَرِ وهم الناسُ، وإليه ذهب الحسن وابن كَيْسان. والثاني :- وإليه ذهبَ جمهورُ الناس أنها مِنْ لوَّحه، أي : غَيَّره وسَوَّده. قال الشاعر :
وتعجَبُ هندٌ أَنْ رَأَتْنِيَ شاحباً *** تقول : لَشَيءٌ لوَّحَتْه السَّمائِمُ
ويقال : لاحَه يَلُوْحه : إذا غَيَّر حِلْيَتَيْه، وأُنْشِد :
تقول :
ما لاحك يا مسافِرُيا بنةَ عمِّي لاحَني الهواجِرُ
وقيل : اللَّوحُ شِدَّةُ العَطَشِ. يقال : لاحَه العطشَ ولَوَّحَه، أي : غَيَّره، وأُنْشدِ :
سَقَتْني على لَوْحٍ مِنْ الماءِ شَرْبَةًسَقاها به اللَّهُ الرِّهامَ الغَواديا
واللُّوْحُ بالضمِّ : الهواءُ بين السماءِ والأرضِ، والبَشَرُ : إمَّا جَمْعُ بَشَرَة، أي : مُغَيِّرة للجُلود، [ وإمَّا المُرادُ به الإِنْسُ ] واللامُ في " للبَشَرِ " مُقَوِّيَةٌ كهي في ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣]، وقراءةُ النصبِ في " لَوَّاحَةً " مقوِّيَةٌ لكونِ " لا تُبْقي " في محلِّ الحالِ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى