اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾، قرأ العامة : بالرفع، خبر مبتدأ مضمر، أي هي لواحة، وهذه مقوية للاستئناف في " لا تُبقِي ".
وقرأ الحسن، وابن أبي عبلة وزيد بن(١) علي وعطية العوفي ونصر بن عاصم وعيسى بن عمر : بنصبهما على الحال، وفيها ثلاثة أوجه :
أحدها : أنها حال من " سَقرُ "، والعامل معنى التعظيم كما تقدم.
والثاني : أنها حال من " لا تُبْقِي ".
والثالث : من " لا تَذرُ ".
وجعل الزمخشري : نصبها على الاختصاص للتهويل.
وجعلها أبو حيان حالاً مؤكدة.
قال :" لأن النار التي لا تبقي ولا تذر، لا تكون إلاَّ مُغيرة للأبشار ".
و " لوَّاحةٌ " هنا مبالغة، وفيها معنيان :
أحدهما : من لاح يلوح، أي : ظهر، أي : أنها تظهر للبشر، [ وهم الناس، وإليه ذهب الحسن وابن كيسان، فقال :" لوَّاحةٌ " أي : تلوح للبشر ](٢) من مسيرة خمسمائة عام، وقال الحسن : تلوح لهم جهنم حتى يرونها عياناً، ونظيره :﴿وَبُرِّزَتِ الجحيم لِمَن يرى﴾ [النازعات: ٣٦].
والثاني : وإليه ذهب جمهور الناس، أنها من لوّحه أي : غيَّرهُ، وسوَّدهُ.
قال الشاعر :[ الرجز ]
٤٩٦٥ - تقُولُ :
ما لاحَكَ يا مُسَافِرُيَا بْنَةَ عَمِّي لاحَنِي الهَواجِرُ(٣)
وقال رؤبة بن العجَّاج :[ الرجز ]
٤٩٦٦ - لُوِّحَ مِنْهُ بَعْدَ بُدْنٍ وسَنَقْتَلْويحكَ الضَّامرَ يُطْوى للسَّبَقْ(٤)
وقال آخر :[ الطويل ]
٤٩٦٧ - وتَعْجَبُ هِنْدٌ إنْ رأتْنِي شَاحِباًتقُولُ لشَيءٍ لوَّحتهُ السَّمائمُ(٥)
ويقال : لاحَهُ يلُوحُه : إذا غير حليته.
قال أبو رزين : تلفح وجوههم لفحة تدعهم أشد سواداً من الليل، قال تعالى :﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النار وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤].
وطعن القائلون بالأول في هذا القول، فقالوا : لا يجوز أن يصفهم بتسويد الوجوهِ، مع قوله :﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾.
وقيل : اللوح شدة العطش، يقال : لاحه العطش ولوحه : أي غيره، قال الأخفش : والمعنى أنها معطشة للبشر، أي : لأهلها ؛ وأنشد :[ الطويل ]
٤٩٦٨ - سَقَتْنِي على لَوْحِ من المَاءِ شَرْبةًسَقَاهَا بِه اللَّهُ الرِّهامَ الغَوادِيَا(٦)
يعني باللوح : شدة العطش. والرهام جمع رهمة - بالكسر - وهي المطرة الضعيفة وأرهمت السحابة : أتت بالرهام.
واللُّوح - بالضم - الهواء بين السماء والأرض، والبشر : إما جمع بشرة، أي : مغيرة للجلود. قاله مجاهد وقتادة، وجمع البشر : أبشار، وإما المراد به الإنس من أهل النار، وهو قول الجمهور.
واللام في «البشر » : مقوية، كهي في ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣].
وقراءة النصب في «لوَّاحَةً » مقوية، لكون «لا تُبْقِي » في محل الحال.
١ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٣٩٦، والبحر المحيط ٨/٣٦٧، والدر المصون ٦/٤١٧..
٢ سقط من أ..
٣ ينظر الكشاف ٤/١٨٣، وشرح شواهده ص ٤٢٤، ومجاز القرآن ٢/٢٥، ٢٧٥، والقرطبي ١٩/٥١، والبحر ٨/٣٦١، والدر ٦/٤١٧، وروح المعاني ٢٩/١٥٧..
٤ ينظر ديوان رؤبة ص ١٠٤، والقرطبي ١٩/٥١..
٥ ينظر اللسان (شحب)، و(لوح) و(سمم) والقرطبي ١٩/٥١، والبحر ٨/٣٦١، والدر المصون ٦/٤١٧..
٦ البيت لسحيم عبد بني الحسحاس.
ينظر ديوانه (٢٠)، والقرطبي ١٩/٥١، والبحر ٨/٣٦١، والدر المصون ٦/٤١٧..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى