تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس(١) فافسحوا يفسح الله لكم﴾معناه : إذا قيل لكم توسعوا في المجلس أي : في مجلس رسول الله صلى الله عليه و سلم فوسعوا يوسع الله لكم، أي : في الجنة. وفي التفسير : أن الآية نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، وكان به صمم، فجاء يوما وقد ( جلس )(٢)الناس عند النبي صلى الله عليه و سلم، فطلب أن يوسعوا له ليقرب من النبي صلى الله عليه و سلم ويسمع، فوسعوا له إلا رجلا واحدا وكان قريبا من النبي صلى الله عليه و سلم لم يوسع له، وقال له : قد أصبت موضعا فاقعد، فعيره ثابت بن قيس بأم كانت له في الجاهلية، فسمع النبي صلى الله عليه و سلم ذلك فقال :" يا ثابت، انظر من القوم فليس لك على أحد منهم فضل إلا بالتقوى " (٣). وأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمر المسلمين أن يتوسعوا في المجلس، قال الحسن البصري : نزلت الآية في صفوف الجهاد. والمراد من التفسح هاهنا هو القعود في المكان من ( اختباء )(٤) لا للحرب. والقول الأول أظهر.
وقوله :﴿وإذا قيل انشزوا فانشزوا﴾ قال قتادة معناه : إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا. وقال الحسن : هو في الحرب، وقيل : هو النهوض في جميع الأشياء بعد أن يكون من الخيرات، وذلك مثل : الجهاد، وصفوف الجماعات، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وما أشبه ذلك.
وفي الآية قول ثالث : أن قوله :( فانشزوا ) هو إذا فرغ النبي صلى الله عليه و سلم فاخرجوا من عنده، ولا تلبثوا عنده فتثقلوا عليه، وهو في معنى قوله تعالى :﴿فإذا أطعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث﴾(٥).
وقوله :﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ أي : بإيمانهم وعلمهم. وقيل : كان النبي صلى الله عليه و سلم يستحب أن يكون بالقرب منه أولوا العلم والنهى من أصحابه، فكان غيرهم يأتي ويقرب من النبي صلى الله عليه و سلم، ثم إذا حضر الأكابر وأولوا العلم من أصحابه كان يقول :" يا فلان، قم، ويا فلان، قم وتأخر ؛ ليقعد أولوا العلم والنهى بالقرب منه، فعلى هذا معنى قوله :﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾، إشارة إلى ما كان يرفعهم النبي صلى الله عليه و سلم ويقعدهم بالقرب، يعني : أنهم أصابوا ما أصابوا من الرفعة والرتبة بالإيمان والعلم. وقوله :﴿والله بما تعملون خبير﴾ أي : عليم.
١ - في قراءة عاصم : المجلس ة بألف على الجمع. و قرأ الباقون بغير الألف على التوحيد. النشر في القراءات العشر ( ٢ /٣٨٥ )..
٢ - في ((ك)) : حبس..
٣ - تقدم تخريجه..
٤ - في ((ك)) : اختيار..
٥ -الاحزاب : ٥٣..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى