بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي

عن الكتاب
ثم قال عز وجل :﴿يا أيها الذين آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ في المجالس﴾، قرأ عاصم ﴿في المجالس﴾ بلفظ الجمع، والباقون ﴿في المجلس﴾ يعني : في مجلس النبي ﷺ. نزلت في ثابت بن قيس، وكان في أذنيه شيء من الثقل، فحضر مجلس النبي ﷺ وقد أخذوا مجالسهم، فبقي قائماً فقال النبي ﷺ :«رَحِمَ الله مَنْ وَسَّعَ لأَخِيهِ » فنزلت الآية. وروى معمر، عن قتادة أنه قال : كان الناس يتنافسون في مجلس النبي ﷺ فقيل لهم : إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس، ﴿فافسحوا﴾ يعني : وسعوا المجلس. ﴿يَفْسَحِ الله لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشزوا فَانشُزُواْ﴾ يعني : إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا.
وروى معمر، عن الحسن قال : هذا في الغزاة ؛ وقال مجاهد :﴿تَفَسَّحُواْ في المجالس﴾ يعني : مجلس النبي ﷺ خاصة ﴿وَإِذَا قِيلَ انشزوا فانشزوا﴾ إلى كل خير وقتال عدو وأمر بالمعروف. وروي عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال :«لا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، ولكن تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا ». قرأ نافع وابن عامر وعاصم في إحدى الروايتين ﴿انشزوا﴾ بالضم للشين، والباقون بالكسر وهما لغتان. يقال : نشز ينشز يعني : إذ قيل لكم انهضوا يعني : قوموا لا تتثاقلوا، ويقال :﴿انشزوا﴾ يعني : قوموا للصلاة وقضاء حق أو شهادة فانشزوا يعني : انهضوا.
ثم قال :﴿يَرْفَعِ الله الذين آمَنُواْ مِنكُمْ والذين أُوتُواْ العلم درجات﴾ يعني : من كان له إيمان وعلم، وكان له فضائل على الذين يقومون وليس بعالم، قال الضحاك :﴿يَرْفَعِ الله الذين آمَنُواْ مِنكُمْ﴾ وقد تم الكلام. ثم قال :﴿والذين أُوتُواْ العلم درجات﴾ يعني : لأهل العلم درجات، أي : الذين أوتوا العلم في الدنيا ولهم درجات في العقبى. قال : وللعلماء مثل درجة الشهداء، وقال مقاتل : إذا انتهى المؤمن إلى باب الجنة، يقال للمؤمن الذي ليس بعالم : ادخل الجنة بعملك، ويقال للعالم : أقم على باب الجنة واشفع للناس، وقال ابن مسعود :﴿يَرْفَعِ الله الذين آمَنُواْ مِنكُمْ والذين أُوتُواْ العلم﴾ على الذين آمنوا منكم ولم يؤتوا العلم درجات. ثم قال :﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ من التفسح في المجلس وغيره.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى