المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية
عن الكتاب
قرأ جمهور الناس :«تفسحوا »، وقرأ الحسن وداود بن أبي هند(١) :«تفاسحوا »، وقرأ جمهور القراء :«في المجلس »، وقرأ عاصم وحده وقتادة وعيسى :«في المجالس ». واختلف الناس في سبب الآية والمقصود بها، فقال ابن عباس ومجاهد والحسن : نزلت في مقاعد الحرب والقتال.
وقال زيد بن أسلم وقتادة : نزلت بسبب تضايق الناس في مسجد النبي ﷺ، وذلك أنهم كانوا يتنافسون في القرب منه وسماع كلامه والنظر إليه، فيأتي الرجل الذي له الحق والسن والقدم في الإسلام فلا يجد مكاناً، فنزلت بسبب ذلك. وقال مقاتل : أقام رسول الله ﷺ قوماً ليجلس أشياخ من أهل بدر ونحو ذلك فنزلت الآية، وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال :«لا يقم أحد من مجلسه ثم يجلس فيه الرجل ولكن تفسحوا يفسح الله لكم »(٢)، وقال بعض الناس : إنما الآية مخصوصة في مجلس النبي ﷺ في سائر المجالس، ويدل على ذلك قراءة من قرأ :«في المجلس »، ومن قرأ «في المجالس » فذلك مراده أيضاً لأن لكل أحد مجلساً في بيت النبي ﷺ وموضعه فتجمع لذلك، وقال جمهور أهل العلم : السبب مجلس النبي عليه السلام، والحكم في سائر المجالس التي هي للطاعات، ومنه قول النبي ﷺ :«أحبكم إلى الله ألينكم مناكب في الصلاة وركباً في المجالس »(٣)، وهذا قول مالك رحمه الله وقال : ما أرى الحكم إلا يطرد في مجالس العلم ونحوها غابر الدهر، ويؤيد هذا القول قراءة من قرأ :«في المجالس »، ومن قرأ :«في المجلس » فذلك على هذا التأويل اسم جنس فالسنة المندوب إليها هي التفسح والقيام منهي عنه في حديث النبي ﷺ حيث نهى أن يقوم الرجل فيجلس الآخر مكانه، فأما القيام إجلالاً فجائز بالحديث قوله عليه السلام حين أقبل سعد بن معاذ :«قوموا إلى سيدكم »(٤)، وواجب على المعظم ألا يحب ذلك ويأخذ الناس به لقوله عليه السلام :«من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار »(٥).
وقوله تعالى :﴿يفسح الله لكم﴾ معناه : في رحمته وجنته، وقوله تعالى :﴿وإذا قيل انشزوا فانشزوا﴾ معناه : إذا قيل لكم ارتفعوا وقوموا فافعلوا ذلك، ومنه نشوز العظام أي نباتها، والنشز من الأرض المرتفع، واختلف الناس في هذا النشوز الذي أمروا بامتثاله إذا دعوا إليه. فقال الحسن وقتادة والضحاك معناه : إذا دعوا إلى قتال أو طاعة أو صلاة ونحوه، وقال آخرون معناه : إذا دعوا إلى القيام عن النبي عليه السلام لأنه كان أحياناً يحب الانفراد في آمر الإسلام فربما جلس قوم وأراد كل واحد أن يكون آخر الناس عهداً بالنبي عليه السلام، فنزلت الآية آمرة بالقيام عنه متى فهم ذلك بقول أو فعل، وقال آخرون معناه :﴿انشزوا﴾ في المجلس بمعنى التفسح لأن الذي يريد التوسعة يرتفع إلى فوق في الهواء فإذا فعل ذلك جملة اتسع الموضع، فيجيء ﴿انشزوا﴾ في غرض واحد مع قوله ﴿تفسحوا﴾، وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم :«انشُزوا » برفع الشين وهي قراءة أبي جعفر وشيبة والأعرج.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بكسر السين فيهما، وهي قراءة الحسن والأعمش وطلحة. يقال : نشز ينشِز كحشر يحشِر ويحشُر وعكف يعكِف ويعكُف. وقوله﴿يرفع الله﴾ جواب الأمر، واختلف الناس في ترتيب قوله تعالى :﴿الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾، فقال جماعة من المتأولين المعنى :﴿يرفع الله﴾ المؤمنين العلماء منكم﴿درجات﴾، فلذلك أمر بالتفسح من أجلهم، ويجيء على هذا قوله :﴿والذين أوتوا العلم﴾ بمنزلة قولك جاءني العاقل والكريم والشجاع، وأنت تريد بذلك رجلاً واحداً، وقال آخرون المعنى :﴿يرفع الله﴾ المؤمنين والعلماء الصنفين جميعاً ﴿درجات﴾، لكنا نعلم تفاضلهم في الدرجات من مواضع أخرى ولذلك جاء الأمر بالتفسح عاماً للعلماء وغيرهم، وقال عبد الله بن مسعود وغيره :﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم﴾ وتم القول، ثم ابتدأ بتخصيص العلماء بالدرجات ونصبهم بإضمار فعل، فالمؤمنون رفع على هذا التأويل وللعلماء درجات، وعلى هذا التأويل قال مطرف بن عبد الله بن الشخير : فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة وخير دينكم الورع، ثم توعد تعالى وحذر بقوله :﴿والله بما تعملون خبير﴾.
وقال زيد بن أسلم وقتادة : نزلت بسبب تضايق الناس في مسجد النبي ﷺ، وذلك أنهم كانوا يتنافسون في القرب منه وسماع كلامه والنظر إليه، فيأتي الرجل الذي له الحق والسن والقدم في الإسلام فلا يجد مكاناً، فنزلت بسبب ذلك. وقال مقاتل : أقام رسول الله ﷺ قوماً ليجلس أشياخ من أهل بدر ونحو ذلك فنزلت الآية، وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال :«لا يقم أحد من مجلسه ثم يجلس فيه الرجل ولكن تفسحوا يفسح الله لكم »(٢)، وقال بعض الناس : إنما الآية مخصوصة في مجلس النبي ﷺ في سائر المجالس، ويدل على ذلك قراءة من قرأ :«في المجلس »، ومن قرأ «في المجالس » فذلك مراده أيضاً لأن لكل أحد مجلساً في بيت النبي ﷺ وموضعه فتجمع لذلك، وقال جمهور أهل العلم : السبب مجلس النبي عليه السلام، والحكم في سائر المجالس التي هي للطاعات، ومنه قول النبي ﷺ :«أحبكم إلى الله ألينكم مناكب في الصلاة وركباً في المجالس »(٣)، وهذا قول مالك رحمه الله وقال : ما أرى الحكم إلا يطرد في مجالس العلم ونحوها غابر الدهر، ويؤيد هذا القول قراءة من قرأ :«في المجالس »، ومن قرأ :«في المجلس » فذلك على هذا التأويل اسم جنس فالسنة المندوب إليها هي التفسح والقيام منهي عنه في حديث النبي ﷺ حيث نهى أن يقوم الرجل فيجلس الآخر مكانه، فأما القيام إجلالاً فجائز بالحديث قوله عليه السلام حين أقبل سعد بن معاذ :«قوموا إلى سيدكم »(٤)، وواجب على المعظم ألا يحب ذلك ويأخذ الناس به لقوله عليه السلام :«من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار »(٥).
وقوله تعالى :﴿يفسح الله لكم﴾ معناه : في رحمته وجنته، وقوله تعالى :﴿وإذا قيل انشزوا فانشزوا﴾ معناه : إذا قيل لكم ارتفعوا وقوموا فافعلوا ذلك، ومنه نشوز العظام أي نباتها، والنشز من الأرض المرتفع، واختلف الناس في هذا النشوز الذي أمروا بامتثاله إذا دعوا إليه. فقال الحسن وقتادة والضحاك معناه : إذا دعوا إلى قتال أو طاعة أو صلاة ونحوه، وقال آخرون معناه : إذا دعوا إلى القيام عن النبي عليه السلام لأنه كان أحياناً يحب الانفراد في آمر الإسلام فربما جلس قوم وأراد كل واحد أن يكون آخر الناس عهداً بالنبي عليه السلام، فنزلت الآية آمرة بالقيام عنه متى فهم ذلك بقول أو فعل، وقال آخرون معناه :﴿انشزوا﴾ في المجلس بمعنى التفسح لأن الذي يريد التوسعة يرتفع إلى فوق في الهواء فإذا فعل ذلك جملة اتسع الموضع، فيجيء ﴿انشزوا﴾ في غرض واحد مع قوله ﴿تفسحوا﴾، وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم :«انشُزوا » برفع الشين وهي قراءة أبي جعفر وشيبة والأعرج.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بكسر السين فيهما، وهي قراءة الحسن والأعمش وطلحة. يقال : نشز ينشِز كحشر يحشِر ويحشُر وعكف يعكِف ويعكُف. وقوله﴿يرفع الله﴾ جواب الأمر، واختلف الناس في ترتيب قوله تعالى :﴿الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾، فقال جماعة من المتأولين المعنى :﴿يرفع الله﴾ المؤمنين العلماء منكم﴿درجات﴾، فلذلك أمر بالتفسح من أجلهم، ويجيء على هذا قوله :﴿والذين أوتوا العلم﴾ بمنزلة قولك جاءني العاقل والكريم والشجاع، وأنت تريد بذلك رجلاً واحداً، وقال آخرون المعنى :﴿يرفع الله﴾ المؤمنين والعلماء الصنفين جميعاً ﴿درجات﴾، لكنا نعلم تفاضلهم في الدرجات من مواضع أخرى ولذلك جاء الأمر بالتفسح عاماً للعلماء وغيرهم، وقال عبد الله بن مسعود وغيره :﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم﴾ وتم القول، ثم ابتدأ بتخصيص العلماء بالدرجات ونصبهم بإضمار فعل، فالمؤمنون رفع على هذا التأويل وللعلماء درجات، وعلى هذا التأويل قال مطرف بن عبد الله بن الشخير : فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة وخير دينكم الورع، ثم توعد تعالى وحذر بقوله :﴿والله بما تعملون خبير﴾.
١ هو داود بن أبي هند، القشيري، مولاهم، أبو بكر أو أبو محمد، البصري، ثقة متقن، من الطبقة الخامسة، مات سنة أربعين، وقيل قبلها.(تقريب التهذيب)..
٢ أخرجه البخاري في الاستئذان والجمعة، ومسلم في السلام، وأبو داود والترمذي في الأدب، والدارمي في الاستئذان، وأحمد في المسند(٢-١٧، ٤٥، ٣٣٨)، ولفظه كما في الأدب، والدارمي في الاستئذان، وأحمد في المسند(٢-١٧، ٤٥، ٣٣٨)، ولفظه كما في مسند أحمد(لا يقم الرجل الرجلَ من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا)..
٣ لم أقف عليه..
٤ أخرجه البخاري في العتق والاستئذان، وأبو داود في الأدب، وأحمد في مسنده(٣-٢٢، ٦-١٤٢)، ولفظه فيه: عن أبي أمامة بن سهل قال: سمعت أبا سعيد الخدري قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، قال: فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد فأتاه على حمار، قال: فلما دنا قريبا من المسجد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى سيدكم، أو خيركم، ثم قال: إن هؤلاء نزلوا على حكمك، قال: تُقتل مقاتلتهم وتُسبى ذراريهم، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد أفضيت بحكم الله، وربما قال: قضيت بحكم الملك..
٥ أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، عن معاوية، ورمز له الإمام السيوطي بأنه حديث حسن..
٢ أخرجه البخاري في الاستئذان والجمعة، ومسلم في السلام، وأبو داود والترمذي في الأدب، والدارمي في الاستئذان، وأحمد في المسند(٢-١٧، ٤٥، ٣٣٨)، ولفظه كما في الأدب، والدارمي في الاستئذان، وأحمد في المسند(٢-١٧، ٤٥، ٣٣٨)، ولفظه كما في مسند أحمد(لا يقم الرجل الرجلَ من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا)..
٣ لم أقف عليه..
٤ أخرجه البخاري في العتق والاستئذان، وأبو داود في الأدب، وأحمد في مسنده(٣-٢٢، ٦-١٤٢)، ولفظه فيه: عن أبي أمامة بن سهل قال: سمعت أبا سعيد الخدري قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، قال: فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد فأتاه على حمار، قال: فلما دنا قريبا من المسجد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى سيدكم، أو خيركم، ثم قال: إن هؤلاء نزلوا على حكمك، قال: تُقتل مقاتلتهم وتُسبى ذراريهم، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد أفضيت بحكم الله، وربما قال: قضيت بحكم الملك..
٥ أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، عن معاوية، ورمز له الإمام السيوطي بأنه حديث حسن..