التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم أرشدهم - سبحانه - إلى لون ثالث من الأدب السامى، فناداهم للمرة الثالثة بقوله :﴿ياأيها الذين آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرسول فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
والمراد بقوله - تعالى - ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ﴾ : إذا أردتم المناجاة، كما فى قوله - تعالى - ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة﴾ والمراد بقوله :﴿بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ﴾ أى : قبل مناجاتكم للرسول - ﷺ - بقليل، والكلام من باب الاستعارة التمثيلية. حيث شبهت هيئة قرب الشىء من آخر بهيئة وصول الشخص إلى من يريد الوصول إليه، على سبيل تشبيه المعقول بالمحسوس.
واسم الإشارة فى قوله :﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ يعود إلى تقديم الصدقة، والجملة بمنزلة التعليل للأمر بتقديمها.
والمعنى : يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان، إذا أردتم مناجاة الرسول - ﷺ - والحديث معه فى أمر ما على سبيل السر، فقدموا صدقة للفقراء قبل مناجاته - ﷺ - فذلك التقديم خير لكم لما فيه من الثواب، وأكثر طهرا لنفوسكم، فإن لم تجدوا شيئا تتصدقون به قبل مناجاتكم له - ﷺ - فلا تحزنوا فإن الله - تعالى - واسع المغفرة والرحمة.
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات، منها : ما جاء عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أنه قال : نزلت بسبب أن المسلمين كانوا يكثرون المسائل على رسول الله - ﷺ حتى شقوا عليه، فأراد الله - تعالى - أن يخفف عن نبيه - ﷺ - فلما نزلت هذه الآية، كف كثير من الناس، ثم وسع الله عليهم بالآية التى بعدها.
وقال بعض العلماء : إن هذا الأمر قد اشتمل على فوائد كثيرة :
منها : تعظيم أمر الرسول - ﷺ - وإكبار شأن مناجاته، كأنها شىء لا ينال بسهولة.
ومنها : التخفيف عن النبى - ﷺ - بالتقليل من المناجاة، حتى يتفرغ - ﷺ - للمهام العظمى التى كلفه - سبحانه - بها.
ومنها : تهوين الأمر على الفقراء الذين قد يغلبهم الأغنياء على مجلس الرسول - ﷺ - فإنهم إذا علموا أن قرب الأغنياء من الرسول - ﷺ - ومناجاتهم له، تسبقها الصدقة، لم يضجروا.
ومنها : عدم شغل الرسول - ﷺ - بما لا يكون مهما من الأمور، فيتفرغ للرسالة، فإن الناس وقد جبلوا على الشح بالمال، يقتصدون فى المناجاة التى تسبقها الصدقة.
ومنها : تمييز محب الدنيا من محب الآخرة، فإن المال محك الدواعى.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى