إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود
عن الكتاب
﴿يا أيها الذين آمَنُوا إِذَا ناجيتم الرسول﴾ في بعضِ شؤونكُم المهمةِ الداعية إلى مناجاتِهِ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ :﴿فَقَدّمُوا بَيْنَ يَدَي نجواكم صَدَقَةً﴾ أيْ فتصدقُوا قبلَها مستعارٌ ممنْ لهُ يدانِ وفي هذا الأمرِ تعظيمُ الرسولِ ﷺ وإنفاعُ الفقراءِ والزجرُ عنِ الإفراطِ في السؤالِ والتمييزُ بينَ المخلصِ والمنافقِ ومحبِّ الآخرةِ ومحبِّ الدُّنيا، واختلفَ في أنَّه للندبِ أو للوجوبِ لكنهُ نُسِخَ بقولِهِ تَعَالى :﴿أَأشْفَقْتُمْ﴾ [ سورة المجادلة، الآية ١٣ ]، وهُوَ وإنْ كَان متصلاً بِهِ تلاوةً لكنَّه متراخٍ عَنْهُ نزولاً وَعَنْ عليَ رضيَ الله عنهُ :«إنَّ فِي كتابِ الله آيةً ما عَمِلَ بِهَا أحدٌ غَيْرِي كانَ لي دينارٌ فصرفتُه فكنتُ إذَا ناجيتُه عليهِ الصلاةُ والسلامُ تصدقتُ بدرهم » وهُوَ على القولِ بالوجوبِ محمولٌ على أنَّه لمْ يتفقْ للأغنياءِ مناجاةٌ في مدةِ بقائِه إذْ رُوي أنَّه لمْ يَبقَ إلاَّ عشراً وقيل : إلاَّ ساعةً، ﴿ذلك﴾ أي التصدق ﴿خَيْرٌ لكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ أيْ لأنفسكم منَ الريبةِ وحبِّ المَالِ، وهذا يشعرُ بالندبِ لكنَّ قولهُ تَعَالى :﴿فَإِن لمْ تَجِدُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ منبئٌ عنِ الوجوبِ لأنَّه ترخيصٌ لمنْ لَمْ يجدْ فِي المناجَاةِ بلا تصدقٍ.