غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراآت ﴿من تفوّت﴾ من التفعل : حمزة وعلي ﴿هل ترى﴾ بالإدغام : أبو عمرو وحمزة وعلي وهشام ﴿ولقد زينا﴾ مثل ﴿لقد سمع﴾ : ابن فليح ﴿فسحقا﴾ بالضم : يزيد وعلي الآخرون : بالسكون ﴿أأمنتم﴾ بهمزتين : حمزة وعلي وخلف وابن عامر. والباقون ﴿أأمنتم﴾ بتوسيط ألف بين الهمزتين ﴿نذيري﴾ ﴿ونكيري﴾ كنظائرهما. ﴿سيئت﴾ مثل ضربت : أبو جعفر ونافع وابن عامر وعلي ورويس. ﴿يدعون﴾ بسكون الدال : يعقوب. ﴿أهلكني الله﴾ بسكون الياء : حمزة ﴿معي﴾ بالفتح : أبو جعفر ونافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وعاصم غير يحيى وحماد ﴿فسيعلمون﴾ على الغيبة : علي.
﴿خلق الموت والحياة﴾ وهما عرضان يتعاقبان على كل من صح عليه ذلك. فالموت نظير الإعدام والحياة مثل الإيجاد، وتقديم الموت لأن الأصل في الأشياء العدم، قال مقاتل : يعني كونه نطفة وعلقة ومضغة ثم نفخ فيه الروح.
وعن ابن عباس : الموت في الدنيا والحياة في الآخرة دار الحيوان، وإن الله خلق الموت في صورة كبش أملح، لا يمر بشيء ولا يجد رائحته شيء إلا مات، وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء فوق الحمار ودون البغل، لا تمر بشيء ولا يجد ريحها شيء إلا حيي، قال الحكماء الإسلاميون : هذا على سبيل التمثيل، وإلا فالعرض لا يكون جوهراً. أقول : لعل الأملح والبلقاء، إشارة إلى أن هذين العرضين في عالمنا هذا، لا يطرآن إلا على ما فيه طبائع متضادة، فتكون بسبب ذلك تارة وتفقد أخرى. قال جار الله : إنما قدم الموت لأن أقوى الناس داعياً إلى العمل من نصب موته بين عينيه، فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم. زعم الكلبي أنه تعالى قادر على مثل مقدور العبد، وقال أبو علي وأبو هاشم : إنه تعالى لا يقدر على عين مقدور العبد. وقالت الأشاعرة : إنه قادر على القبيلين، وإلا لم يكن على كل شيء قدير، وهو خلاف الآية، فلزمهم صحة وجود مقدور بين قادرين. وبهذا بطل القول بالطبائع على ما تقوله الفلاسفة، وبالمتولدات على ما تقوله المعتزلة، ويكون العبد موجد الأفعال نفسه. ومعنى الغاية في قوله ﴿ليبلوكم﴾ أنه إذا علم أن وراء الموت حياة وحالة يستوي فيها الغني والفقير والمولى والعبد، ولا ينفعه إلا ما قدم من خير، صار ذلك داعياً إلى حسن العمل وزاجراً عن ضده. وكذا لو قيل : إن الموت حال كونه نطفة، والحياة نفخ الروح في الجنين، فإنه إذا تفكر في أمور نفسه، علم أن وراء هذه الحياة موتاً ينقطع به تدارك ما فات، وأن الدنيا مزرعة الآخرة. عن النبي ﷺ أنه تلاها، فلما بلغ قوله ﴿أيكم أحسن عملاً﴾ قال : أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله. وعنه ﷺ أنه قال لقومه " لو أكثرتم ذكر هادم اللذات لشغلكم عما أرى " والابتلاء مجاز كما مر في قوله :﴿وإذ ابتلى إبراهيم﴾ وفي الكهف قوله :﴿أيكم أحسن عملاً﴾ مفعول ثاني ﴿ليبلوكم﴾ على أنه متضمن معنى العلم، وليس هذا من باب التعليق. لأن التعليق هو أن تكون الاستفهامية سادة مسد المفعولين جميعاً نحو " علمت أزيد منطلق " نعم إنه تعليق على قول الفراء والزجاج، لأنهما قالا : تقديره ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن عملاً. ﴿وهو العزيز﴾ الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل. ﴿الغفور﴾ لمن تاب من أهل الإساءة، وهذان الوصفان يتوقفان على كمال القدرة والعلم فلا جرم دل عليهما.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الوقوف ﴿الملك﴾ ط لنوع اختلاف بين الجملتين من حيث تقدم الظرف في الأولى ﴿قدير﴾ ه لا لأن ﴿الذي﴾ بدل ﴿عملاً﴾ ه ﴿الغفور﴾ ه لا لأن ما بعده صفة أو بدل ﴿طباقاً﴾ ط ﴿تفاوت﴾ ط ﴿البصر﴾ ط في الموضعين لأن ما بعد الأول مفعول أي فانظر هل ترى، وما بعد الثاني ظرف مع أن الجواب منتظر ﴿فطور﴾ ه ﴿حسير﴾ ه ﴿السعير﴾ ه ﴿جهنم﴾ ط ﴿المصير﴾ ه ﴿تفور﴾ ه لا لأن ما بعده خبر آخر أو بدل ﴿الغيظ﴾ ط ﴿نذير﴾ ه ﴿من شيء﴾ ط ج لاحتمال أن ما بعده من تمام قول الكفار وأن يكون مقول قول محذوف للخزنة ﴿كبير﴾ ه ﴿السعير﴾ ه ﴿بذنبهم﴾ ج لابتداء الشتم مع الفاء ﴿كبير﴾ ه ﴿أو اجهروا به﴾ ه ط ﴿الصدور﴾ ه ﴿خلق﴾ ط لتناهي الاستفهام مع أن الواو يحسن حالاً. ﴿الخبير﴾ ه ﴿من رزقه﴾ ط ﴿النشور﴾ ه ﴿هي تمور﴾ ه لا لأن أم معادل ﴿أم أمنتم﴾ ﴿حاصبا﴾ ط لابتداء التهديد ﴿نذير﴾ ه ﴿نكير﴾ ه ﴿ويقبض﴾ م ﴿الرحمن﴾ ط ﴿بصير﴾ ه ﴿الرحمن﴾ ط ﴿غرور﴾ ه ﴿رزقه﴾ ط ﴿ونفور﴾ ه ﴿مستقيم﴾ ه ﴿والأفئدة﴾ ط ﴿تشكرون﴾ ه ﴿تحشرون﴾ ه ﴿صادقين﴾ ه ﴿عند الله﴾ ط ص ﴿مبين﴾ ه ﴿تدعون﴾ ه ﴿رحمنا﴾ لا لأن ما بعده جواب الشرط ﴿أليم﴾ ه ﴿توكلنا﴾ ج ومن قرأ ﴿فسيعلمون﴾ بياء الغيبة فوقفه مطلق للعدول ﴿مبين﴾ ه ﴿معين﴾ ه.
﴿خلق الموت والحياة﴾ وهما عرضان يتعاقبان على كل من صح عليه ذلك. فالموت نظير الإعدام والحياة مثل الإيجاد، وتقديم الموت لأن الأصل في الأشياء العدم، قال مقاتل : يعني كونه نطفة وعلقة ومضغة ثم نفخ فيه الروح.
وعن ابن عباس : الموت في الدنيا والحياة في الآخرة دار الحيوان، وإن الله خلق الموت في صورة كبش أملح، لا يمر بشيء ولا يجد رائحته شيء إلا مات، وخلق الحياة في صورة فرس بلقاء فوق الحمار ودون البغل، لا تمر بشيء ولا يجد ريحها شيء إلا حيي، قال الحكماء الإسلاميون : هذا على سبيل التمثيل، وإلا فالعرض لا يكون جوهراً. أقول : لعل الأملح والبلقاء، إشارة إلى أن هذين العرضين في عالمنا هذا، لا يطرآن إلا على ما فيه طبائع متضادة، فتكون بسبب ذلك تارة وتفقد أخرى. قال جار الله : إنما قدم الموت لأن أقوى الناس داعياً إلى العمل من نصب موته بين عينيه، فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم. زعم الكلبي أنه تعالى قادر على مثل مقدور العبد، وقال أبو علي وأبو هاشم : إنه تعالى لا يقدر على عين مقدور العبد. وقالت الأشاعرة : إنه قادر على القبيلين، وإلا لم يكن على كل شيء قدير، وهو خلاف الآية، فلزمهم صحة وجود مقدور بين قادرين. وبهذا بطل القول بالطبائع على ما تقوله الفلاسفة، وبالمتولدات على ما تقوله المعتزلة، ويكون العبد موجد الأفعال نفسه. ومعنى الغاية في قوله ﴿ليبلوكم﴾ أنه إذا علم أن وراء الموت حياة وحالة يستوي فيها الغني والفقير والمولى والعبد، ولا ينفعه إلا ما قدم من خير، صار ذلك داعياً إلى حسن العمل وزاجراً عن ضده. وكذا لو قيل : إن الموت حال كونه نطفة، والحياة نفخ الروح في الجنين، فإنه إذا تفكر في أمور نفسه، علم أن وراء هذه الحياة موتاً ينقطع به تدارك ما فات، وأن الدنيا مزرعة الآخرة. عن النبي ﷺ أنه تلاها، فلما بلغ قوله ﴿أيكم أحسن عملاً﴾ قال : أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله. وعنه ﷺ أنه قال لقومه " لو أكثرتم ذكر هادم اللذات لشغلكم عما أرى " والابتلاء مجاز كما مر في قوله :﴿وإذ ابتلى إبراهيم﴾ وفي الكهف قوله :﴿أيكم أحسن عملاً﴾ مفعول ثاني ﴿ليبلوكم﴾ على أنه متضمن معنى العلم، وليس هذا من باب التعليق. لأن التعليق هو أن تكون الاستفهامية سادة مسد المفعولين جميعاً نحو " علمت أزيد منطلق " نعم إنه تعليق على قول الفراء والزجاج، لأنهما قالا : تقديره ليبلوكم فيعلم أيكم أحسن عملاً. ﴿وهو العزيز﴾ الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل. ﴿الغفور﴾ لمن تاب من أهل الإساءة، وهذان الوصفان يتوقفان على كمال القدرة والعلم فلا جرم دل عليهما.