المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
و ﴿الموت والحياة﴾ معنيان يتعاقبان جسم الحيوان يرتفع أحدهما بحلول الآخر، وما في الحديث من قوله ﷺ :«يؤتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش أملح فيذبح على الصراط (١) »، فقال أهل العلم : ذلك تمثال كبش يوقع الله عليه العلم الضروري لأهل الدارين، إنه الموت الذي ذاقوه في الدنيا، ويكون ذلك التمثال حاملاً للموت على أنه يحل الموت فيه، فتذهب عنه حياة، ثم يقرن الله تعالى بذبح ذلك التمثال إعدام الموت. وقوله تعالى :﴿خلق الموت والحياة ليبلوكم﴾ أي ليختبركم في حال الحياة، ويجازيكم بعد الموت، وقال أبو قتادة نحوه عن ابن عمر : قلت يا رسول الله : ما معنى قوله تعالى :﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملاً﴾ فقال :«يقول : أيكم أحسن عقلاً، وأشدكم لله خوفاً، وأحسنكم في أمره ونهيه نظراً، وإن كانوا أقلكم تطوعاً ». وقال ابن عباس وسفيان الثوري والحسن بن أبي الحسن :﴿أيكم أحسن عملاً﴾ أزهدكم في الدنيا. وقوله تعالى :﴿ليبلو﴾ دال على فعل تقديره : فينظر أو فيعلم أيكم، وقال جماعة من المتأولين : الموت والحياة، عبارة عن الدنيا والآخرة، سمى هذه موتاً من حيث إن فيها الموت، وسمى تلك الحياة من حيث لا موت فيها، فوصفهما بالمصدرين على تقدير حذف المضاف، كعدل وزور، وقدم ﴿الموت﴾ في اللفظ، لأنه متقدم في النفس هيبة وغلظة.
١ هذا جزء من حديث أخرجه البخاري في تفسير سورة مريم، ومسلم في الجنة، والترمذي في تفسير سورة مريم، والدارمي في الرقاق، وأحمد في مسنده (٢/٣٧٧، ٤٣٣، ٣/٩)، ولفظه كما في المسند (عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يؤتى بالموت يوم القيامة كبشا أملح، فيقال: يا أهل الجنة، تعرفون هذا؟ فيطلعون خائفين مشفقين، قال: يقولون: نعم، قال: ثم ينادي أهل النار: تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، قال: فيذبح، ثم يقال: خلود في الجنة، خلود في النار)، وفي رواية البخاري (ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ: (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة)، وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا (وهم لا يؤمنون)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى