فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
﴿ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ أي رجعتين مرّة بعد مرّة، وانتصابه على المصدر، والمراد بالتثنية : التكثير، كما في لبيك وسعديك : أي رجعة بعد رجعة وإن كثرت. ووجه الأمر بتكرير النظر على هذه الصفة، أنه قد لا يرى ما يظنه من العيب في النظرة الأولى ولا في الثانية، ولهذا قال أوّلاً :﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت﴾ ثم قال ثانياً :﴿فارجع البصر﴾ ثم قال ثالثاً :﴿ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ فيكون ذلك أبلغ في إقامة الحجة، وأقطع للمعذرة ﴿يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا﴾ أي يرجع إليك البصر ذليلاً صاغراً عن أن يرى شيئًا من ذلك، وقيل : معنى خاسئاً : مبعداً مطروداً عن أن يبصر ما التمسه من العيب، يقال : خسأت الكلب : أي أبعدته وطردته. قرأ الجمهور ﴿يَنْقَلِبْ﴾ بالجزم جواباً للأمر. وقرأ الكسائي في رواية بالرفع على الاستئناف ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أي كليل منقطع. قال الزجاج : أي وقد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللاً، وهو فعيل بمعنى فاعل من الحسور، وهو الإعياء، يقال : حسر بصره يحسر حسوراً : أي كلّ وانقطع، ومنه قول الشاعر :
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله :﴿سَبْعَ سموات طِبَاقاً﴾ قال : بعضها فوق بعض. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله :﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت﴾ قال : ما تفوت بعضه بعضاً تفاوتاً مفرقاً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه أيضاً في قوله :﴿مِن تفاوت﴾ قال : من تشقق، وفي قوله :﴿هَلْ ترى مِن فُطُورٍ﴾ قال : شقوق، وفي قوله :﴿خَاسِئًا﴾ قال : ذليلاً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ كليل. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً. قال : الفطور : الوهي. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً ﴿مِن فُطُورٍ﴾ قال : من تشقق أو خلل، وفي قوله :﴿يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ﴾ قال : يرجع إليك ﴿خَاسِئًا﴾ قال : صاغراً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ قال : معيى ولا يرى شيئًا. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضاً خاسئاً قال : ذليلاً ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ قال : عييّ مرتجع. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس :﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ﴾ قال : تتفرّق. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه أيضاً ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ﴾ قال : يفارق بعضها بعضاً. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً :﴿فَسُحْقًا﴾ قال : بعداً.
| نظرت إليها بالمحصب من منى | فعاد إليّ الطرف وهو حسير |