المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقال منذر بن سعيد : أمر الله تعالى بالنظر إلى السماء وخلقها ثم أمر بالتكرير في النظر، وكذلك جميع المخلوقات متى نظرها ناظر، ليرى فيها خللاً أو نقصاً، فإن بصره ينقلب ﴿خاسئاً﴾ حسيراً، ورجع البصر ترديده في الشيء المبصر.
وقوله :﴿كرتين﴾ معناه مرتين، ونصبه على المصدر، والخاسئ المبعد بذل عن شيء أراده وحرص عليه، ومنه الكلب الخاسئ، ومنه قول النبي ﷺ لابن صياد :«اخسأ فلن تعد وقدرك »(١)، ومنه قوله تعالى للكفار الحريصين على الخروج من جهنم :﴿اخسؤوا فيها﴾(٢) [المؤمنون: ١٠٨]، وكذلك هنا البصر يحرص على رؤية فطور أو تفاوت فلا يجد ذلك، فينقلب ﴿خاسئاً﴾، والحسير العييّ الكالّ، ومنه قول الشاعر :[ الطويل ]
لهن الوجا لم كن عوناً على النوىولا زال منها طالح وحسير(٣)
١ هذا جزء من حديث أخرجه البخاري في الجنائز والجهاد والقدر والأدب، وأخرجه كل من مسلم والترمذي في الفتن، وأبو داود في الملاحم، والدارمي في المقدمة، وأحمد في مسنده (١/٣٨٠، ٣/٢٦٨، ٤/١٧٠، ٥/١٤٨)، ولفظه كما في مسند أحمد، عن عبد الله قال: كنا نمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم. فمر بابن صياد، فقال إني قد خبأت لك خبأ، قال ابن صياد: دخ، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اخسأ فلن تعدو قدرك)، فقال عمر: يا رسول الله دعنى أضرب عنقه، قال: (لا، إن يكن الذي نخاف فلن تستطيع قتله). قال العلماء: الدخ هو الدخان، ولم يكملها، وكان النبي عليه الصلاة والسلام قد أضمر له آية من سورة الدخان، وهي قوله تعالى: (فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين)..
٢ من الآية ١٠٨ من سورة المؤمنون..
٣ الوجى: الحفا، وقيل: يكون قبل الحفا، وقيل: بل هو أشد م الحفا، والنوى: البعد والفراق والانتقال إلى مكان بعيد، والظالع: الذي أصيب بالعرج من ألم في رجله، والحسير: الذي كل وتعب وأصبح عاجزا عن السير، يقال: حسرت الدابة والناقة حسرا: أعيت وكلت، وهو موضع الاستشهاد هنا، يطلب للنوق الوجى والظلع والإعياء لأنهن كن عونا على فراق الأحبة..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى