جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
قالُوا رَبّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة وبعض أهل الكوفة : غَلَبَت عَلَيْنا شِقْوَتُنا بكسر الشين، وبغير ألف. وقرأته عامة قرّاء أهل الكوفة :«شَقاوَتُنا » بفتح الشين والألف.
والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان مشهورتان، وقرأ بكل واحدة منهما علماء من القرّاء بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وتأويل الكلام : قالوا : ربنا غلبت علينا ما سبق لنا في سابق علمك وخطّ لنا في أمّ الكتاب.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزّة، عن مجاهد، قوله : غَلَبْتَ عَلَيْنا شِقْوَتُنا قال : التي كتبت علينا.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا التي كتبت علينا.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.
وقال : قال ابن جريج :«بلغنا أن أهل النار نادوا خَزَنة جهنم : أنُ ادْعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب فلم يجيبوهم ما شاء الله فلما أجابوهم بعد حين قالوا : ادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال. قال : ثم نادوا مالكا : يا مالك ليقضِ علينا ربك فسكت عنهم مالك خازن جهنم أربعين سنة، ثم أجابهم فقال : إنّكُمْ ماكِثُونَ. ثم نادى الأشقياء ربهم، فقالوا : رَبّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْما ضَالّينَ رَبّنا أخْرِجْنا مِنْها فإنْ عُدْنا فإنّا ظالِمُونَ فسكت عنهم مثل مقدار الدنيا، ثم أجابهم بعد ذلك تبارك وتعالى : اخْسَئُوا فِيها وَلا تُكَلّمُونِ.
قال : ثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، قال :«ينادِي أهل النار أهل الجنة فلا يجيبونهم ما شاء الله، ثم يقول : أجيبوهم وقد قطع الرّحِمَ والرحمة. فيقول أهل الجنة : يا أهل النار عليكم غضب الله يا أهل النار عليكم لعنة الله يا أهل النار، لا لَبّيْكم ولا سَعْدَيْكم ماذا تقولون ؟ فيقولون : ألم نك في الدنيا آباءكم وأبناءكم وإخوانكم وعشيرتكم ؟ فيقولون : بلى. فيقولون : أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ المَاءِ أوْ مِما رَزَقَكُمُ اللّهُ قالُوا إنّ اللّهَ حَرّمَهُما عَلى الكافِرِينَ ».
قال : ثني حجاج، عن أبي معشر، عن محمد بن كعب القُرَظيّ قال : وثني عَبْدة المُرُوزِيّ، عن عبد الله بن المبارك، عن عمرو بن أبي ليلى، قال : سمعت محمد بن كعب، زاد أحدهما على صاحبه، قال محمد بن كعب : بلغني، أو ذُكر لي، أن أهل النار استغاثوا بالخَزَنة، ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب فردّوا عليهم ما قال الله فلما أيسوا نادَوا : يا مالك وهو عليهم، وله مجلس في وسطها، وجسور تمرّ عليها ملائكة العذاب، فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها فقالوا : يا مالك، ليقض علينا ربك سألوا الموت. فمكث لا يجيبهم ثمانين ألفَ سنة من سني الآخرة، أو كما قال. ثم انحطّ إليهم، فقال : إنّكُمْ ماكثونَ فلما سمعوا ذلك قالوا : فاصبروا، فلعلّ الصبر ينفعنا كما صبر أهل الدنيا على طاعة الله قال : فصَبَروا، فطال صبرهم، فنادَوا : سَوَاءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ : أي مَنْجًى، فقام إبليس عند ذلك فخطبهم، فقال : إنّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَقّ، وَوَعَدْتُكُمْ فَأخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ، فلما سمعوا مقالتهم، مَقَتُوا أنفسهم، قال : فُنودوا : لَمَقْتُ اللّهِ أكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أنْفُسَكُمْ إذْ تُدْعُوْنَ إلى الإيمان فَتَكْفُرُونَ قالُوا رَبّنا أمَتّنَا. . . الآية، قال : فيجيبهم الله فيها : ذَلَكُمْ بأنّهُ إذَا دُعِيَ اللّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإنْ يُشْرَكْ بِهه تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلّهِ العَليّ الكَبِيرِ. قال : فيقولون : ما أيسنا بعدُ قال : ثم دَعَوا مرّة أخرى، فيقولون : رَبّنا أبْصَرْنا وَسمِعْنا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صَالِحا إنّا مُوقِنُونَ قال : فيقول الربّ تبارك وتعالى : وَلَوْ شِئْنا لآتينا كُلّ نَفْسٍ هُدَاها يقول الربّ : لو شئت لهديت الناس جميعا فلم يختلف منهم أحد ولكنْ حَقّ القَوْلُ مِنّي لأملأن جَهَنّمَ مِنَ الجِنّةِ والنّاسِ أجَمعِينَ فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا يقول : بما تركتم أن تعملوا ليومكم هذا، إنّا نَسِيناكُمْ : أي تركناكم، وَذُوقُوا عَذَابَ الخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. قال : فيقولون : ما أيسنا بعد قال : فيدعون مرّة أخرى : رَبّنا أخّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتّبِعِ الرّسُلَ قال : فيقال لهم : أوَ لَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ. . . الاَية، قال : فيقولون : ما أيسنا بعد ثم قالوا مرّة أخرى : رَبّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صَالِحا غيرَ الّذِي كُنّا نَعْمَلُ، قال : فيقول : أوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ ما يَتَذَكّرُ فِيهِ مِنْ تَذَكّرَ وَجاءَكُمُ النّذِيرُ. . . إلى : نَصِيرٍ. ثم مكث عنهم ما شاء الله، ثم ناداهم : أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذّبُونَ فلما سمعوا ذلك قالوا : الآن يرحمنا فقالوا عند ذلك : رَبّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا : أي الكتاب الذي كتب علينا وكُنّا قَوْما ضَالّينَ رَبّنا أخْرِجْنا مِنْها. . . الاَية، فقال عند ذلك : اخْسَئُوا فِيها وَلا تُكَلّمُونِ قال : فلا يتكلمون فيها أبدا. فانقطع عند ذلك الدعاء والرجاء منهم، وأقبل بعضهم ينبح في وجه بعض، فأَطْبَقت عليهم. قال عبد الله بن المبارك في حديثه : فحدثني الأزهر بن أبي الأزهر أنه قال : فذلك قوله : هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن أبي بكر بن عبد الله، أنه قال : فوالذي أنزل القرآن على محمد والتوراة على موسى والإنجيل على عيسى، ما تكلم أهل النار كلمة بعدها إلا الشهيق والزّعيق في الخلد أبدا ليس له نفاد.
قال : ثني حجاج، عن أبي معشر، قال : كنا في جنازة ومعنا أبو جعفر القارىء، فجلسنا، فتنحى أبو جعفر، فبكى، فقيل له : ما يبكيك يا أبا جعفر ؟ قال : أخبرني زيد بن أسلم أن أهل النار لا يتنفسون.
وقوله : وكُنّا قَوْما ضَالّينَ يقول : كنا قوما ضَلَلْنا عن سبيل الرشاد وقصد الحقّ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى