الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ : العامَّةُ على " أَفْلَحَ " مفتوحَ الهمزةِ والحاءِ فعلاً ماضياً مبنياً للفاعلِ. وورشٌ على قاعدتِه مِنْ نَقْلِ حركةِ الهمزةِ إلى الساكنِ قبلَها وحَذْفِها. وعن حمزةَ في الوقف خلفٌ : فرُوِيَ عنه كورشٍ، وكالجماعة. وقال أبو البقاء :" مَنْ ألقى حركةَ الهمزةِ على الدالِ وحَذَفَها فَعِلَّتُه : أنَّ الهمزةَ بعد حَذْفِ حركتِها صُيِّرَتْ ألفاً، ثم حُذِفَتْ لسكونِها وسكونِ الدالِ قبلها في الأصل. ولا يُعْتَدُّ بحركةِ الدال لأنها عارضةٌ ". وفي كلامِه نظرٌ من وجهين، أحدهما : أنَّ اللغةَ الفصيحةَ في النقلِ حَذْفُ الهمزةِ من الأصلِ فيقولون : المَرَة والكَمَة في : المَرْأَة والكَمْأَة. واللغةُ الضعيفةُ فيه إبقاؤُها وتَدْييرُها بحركةِ ما قبلَها فيقولون : المَراة والكَماة بمَدَّةٍ بدل الهمزةِ كراس وفاس فيمَنْ خفَّفَهما. فقولُه :" صُيِّرَتْ ألفاً " ارتكابٌ لأضعفِ اللغتين.
الثاني : أنه وإنْ سُلِّمَ أنَّها صُيِّرَتْ ألفاً فلا نُسَلِّم أنَّ حَذْفَها لسكونِها وسكونِ الدالِ في ألأصل، بل حَذْفُها لساكنٍ محققٌ في اللفظِ وهو الفاء مِنْ " أفلح "، ومتى وُجد سببٌ ظاهرٌ أُحيل الحُكْمُ عليه دونَ السبب المقدر.
وقرأ طلحة بن مصرف وعمرو بن عبيد " أُفْلِحَ " مبنياً للمفعول أي : دَخَلوا في الفلاح. فيُحتمل أَنْ يكونَ مِنْ أفلح متعدِّياً. يقال : أَفْلحه أي : أصاره إلى الفلاح، فيكون " أفلح " مستعملاً لازماً ومتعدِّياً. وقرأ طلحة أيضاً " أَفْلَحُ " بفتح الهمزة واللام وضمِّ الحاء. وتخريجُها على أنَّ الأصلَ " أَفْلحوا المؤمنون " بلحاقِ علامةِ جمعٍ قبل الفاعلِ كلغة " أكلوني البراغيث " فيجيءُ فيها ما قَدَّمْتَه في قول :﴿ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١] ﴿وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [الأنبياء: ٣] قال عيسى :" سمعتُ طلحةَ يقرؤُها. فقلتُ له : أتلحنُ ؟ قال : نعم كما لحن أصحابي " يعني اتَّبَعْتُهم فيما قَرَأْتُ به. فإنْ لَحَنوا على سبيلِ فَرْضِ المُحالِ فِأنا لاحنٌ تَبَعاً لهم. وهذا يدلُّ على شدِّةِ اعتناءِ القدماءِ بالنَّقْلِ وضَبْطِه خلافاً لمن يُغَلِّطُ الرواةَ.
وقال ابن عطية :" وهي قراءةٌ مردودةٌ ". قلت : ولا أدري كيف يَرُدُّونها مع ثبوتِ مِثْلِها في القرآن بإجماع وهما الآيتان المتقدمتان ؟ وقال الزمخشري :" وعنه أي عن طلحةَ " أَفْلَحُ " بضمةٍ بغير واو، اجتزاءً بها عنها كقوله : فلَوْ أنَّ الأَطِبَّا كانُ حَوْلي ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفيه نظرٌ مِنْ حيث إنَّ الواوَ لا تَثْبُتُ في مثلِ هذا دَرْجاً لئلاً يلتقي ساكنان، فالحَذْفُ هنا لا بُدَّ منه فكيف يقول اجتزاءً عنها بها ؟ وأمَّا تنظيرُه بالبيتِ فليس بمطابقٍ ؛ لأنَّ حَذْفَها من الآيةِ ضروريٌّ ومن البيتِ ضرورةٌ. وهذه الواوُ لا يظهر لفظُها في الدَّرْجِ، بل يظهرُ في الوقفِ وفي الخَطِّ.
وقد اختلف النَّقَلَةُ لقراءةِ طلحة : هل يُثَبِتُ للواوِ صورةً ؟ ففي كتاب ابن خالويه مكتوباً بواو بعد الحاء، وفي " اللوامح " :" وحُذِفَتْ الواوُ بعد الحاءِ لالتقائِهما في الدَّرج، وكانت الكتابةُ عليها محمولةً على الوصلِ نحو :
﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤]. قلت : ومنه ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨]، ﴿صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣].
و " قد " هنا للتوقُّع. قال الزمخشري :" قد : نقيضَةُ " لَمَّا "، هي تُثْبِتُ المتوقَّعَ و " لَمَّا " تَنْفيه، ولا شك أن المؤمنين كانوا متوقِّعين لهذه البشارةِ، وهي للإِخبار بثباتِ الفَلاحِ لهم فَخُوطبوا بما دَلَّ على ثباتِ ما تَوَقَّعوه ".
الثاني : أنه وإنْ سُلِّمَ أنَّها صُيِّرَتْ ألفاً فلا نُسَلِّم أنَّ حَذْفَها لسكونِها وسكونِ الدالِ في ألأصل، بل حَذْفُها لساكنٍ محققٌ في اللفظِ وهو الفاء مِنْ " أفلح "، ومتى وُجد سببٌ ظاهرٌ أُحيل الحُكْمُ عليه دونَ السبب المقدر.
وقرأ طلحة بن مصرف وعمرو بن عبيد " أُفْلِحَ " مبنياً للمفعول أي : دَخَلوا في الفلاح. فيُحتمل أَنْ يكونَ مِنْ أفلح متعدِّياً. يقال : أَفْلحه أي : أصاره إلى الفلاح، فيكون " أفلح " مستعملاً لازماً ومتعدِّياً. وقرأ طلحة أيضاً " أَفْلَحُ " بفتح الهمزة واللام وضمِّ الحاء. وتخريجُها على أنَّ الأصلَ " أَفْلحوا المؤمنون " بلحاقِ علامةِ جمعٍ قبل الفاعلِ كلغة " أكلوني البراغيث " فيجيءُ فيها ما قَدَّمْتَه في قول :﴿ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١] ﴿وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [الأنبياء: ٣] قال عيسى :" سمعتُ طلحةَ يقرؤُها. فقلتُ له : أتلحنُ ؟ قال : نعم كما لحن أصحابي " يعني اتَّبَعْتُهم فيما قَرَأْتُ به. فإنْ لَحَنوا على سبيلِ فَرْضِ المُحالِ فِأنا لاحنٌ تَبَعاً لهم. وهذا يدلُّ على شدِّةِ اعتناءِ القدماءِ بالنَّقْلِ وضَبْطِه خلافاً لمن يُغَلِّطُ الرواةَ.
وقال ابن عطية :" وهي قراءةٌ مردودةٌ ". قلت : ولا أدري كيف يَرُدُّونها مع ثبوتِ مِثْلِها في القرآن بإجماع وهما الآيتان المتقدمتان ؟ وقال الزمخشري :" وعنه أي عن طلحةَ " أَفْلَحُ " بضمةٍ بغير واو، اجتزاءً بها عنها كقوله : فلَوْ أنَّ الأَطِبَّا كانُ حَوْلي ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وفيه نظرٌ مِنْ حيث إنَّ الواوَ لا تَثْبُتُ في مثلِ هذا دَرْجاً لئلاً يلتقي ساكنان، فالحَذْفُ هنا لا بُدَّ منه فكيف يقول اجتزاءً عنها بها ؟ وأمَّا تنظيرُه بالبيتِ فليس بمطابقٍ ؛ لأنَّ حَذْفَها من الآيةِ ضروريٌّ ومن البيتِ ضرورةٌ. وهذه الواوُ لا يظهر لفظُها في الدَّرْجِ، بل يظهرُ في الوقفِ وفي الخَطِّ.
وقد اختلف النَّقَلَةُ لقراءةِ طلحة : هل يُثَبِتُ للواوِ صورةً ؟ ففي كتاب ابن خالويه مكتوباً بواو بعد الحاء، وفي " اللوامح " :" وحُذِفَتْ الواوُ بعد الحاءِ لالتقائِهما في الدَّرج، وكانت الكتابةُ عليها محمولةً على الوصلِ نحو :
﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤]. قلت : ومنه ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨]، ﴿صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٣].
و " قد " هنا للتوقُّع. قال الزمخشري :" قد : نقيضَةُ " لَمَّا "، هي تُثْبِتُ المتوقَّعَ و " لَمَّا " تَنْفيه، ولا شك أن المؤمنين كانوا متوقِّعين لهذه البشارةِ، وهي للإِخبار بثباتِ الفَلاحِ لهم فَخُوطبوا بما دَلَّ على ثباتِ ما تَوَقَّعوه ".