البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة
عن الكتاب
قال تعالى : بسم الله الرحمان الرحيم
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ * ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ * ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ﴾ * ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ * ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ * ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ * ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَآءَ ذالِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ * ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ * ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ * ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ * ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
يقول الحق جل جلاله :﴿قد أفلح المؤمنون﴾ أي : فازوا بكل مطلوب، ونالوا كل مرغوب، فالفلاح : الفوز بالمرام والنجاة من المكاره والآلام، وقيل : البقاء في الخير على الأبد، وقد تقتضي ثبوت أمر متوقع، فهي هنا لإفادة ثبوت ما كان متوقع الثبوت من قبل، وكان المؤمنون يتوقعون مثل هذه البشارة ؛ وهي الإخبار بثبوت الفلاح لهم، فخُوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه. والإيمان في اللغة : التصديق بالقلب، والمؤمن : المصدِّق لِما جاء به الشرع، مع الإذعان بالقلب، وإلا. . فكم من كافر صدّق بالحق ولم يذعن، تكبُّراً وعناداً، فكل من نطق بالشهادتين، مواطئاً لسانُه قلبَه فهو مؤمن شرعاً، قال عليه الصلاة والسلام :" لَمَّا خَلَقَ الله الجَنَّةَ، قَالَ لَهَا : تَكَلَّمِي، فَقَالَتْ : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤمنُون -ثلاثاً- أنا حرامٌ على كلِّ بخيل مُرائي(١) " ؛ لأنه بالرياء أبطل العبادات الدينية، وليس له أعمال صافية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : قال القشيري : الفلاح : الفوزُ بالمطلوب، والظَّفَرُ بالمقصود. والإيمان : انتسامُ الحقِّ في السريرة، ومخامرة التصديق بخُلاصة القلب، واستكمال التحقيق من تامور الفؤاد(١). والخشوع في الصلاة : إطراق السِّرِّ على بساط النَّجوى، باستكمال نَعْتِ الهيبة، والذوبانِ تحت سلطان الكشف، والانمحاءِ عند غلبات التَّجلِّي. هـ.
قلت : كأنه فسر الفلاح والإيمان والخشوع بغايتهن، فأول الفلاح : الدخول في حوز الإسلام بحصول الإيمان، وغايته : إشراق شمس العرفان، وأول الإيمان : تصديق القلب بوجود الرب، من طرق الاستدلال والبرهان، وغايته : إشراق أسرار الذات على السريرة، فيصير الدليل محل العيان، فتَبتَهج السريرة بمخامرة الذوق والوجدان، وأول الخشوع : تدبر القلب فيما يقول، وحضوره عندما يفعل، وغايته : غيبته عن فعله في شهود معبوده، فينمحي وجود العبد عند تجلي أنوار الرب، فتكون صلاته شكراً لا قهراً، كما قال سيد العارفين صلى الله عليه وسلم :" أفلا أكون عبداً شكوراً ".
ولا تتحقق هذه المقامات إلا بالإعراض عن اللغو، وهو كل ما يشغل عن الله، وتزكية النفوس ببذلها في مرضاة الله، وإمساك الجوارح عن محارم الله، وحفظ الأنفاس والساعات، التي هي أمانات عند العبد من الله.
قال في القوت : قال بعض العارفين : إن لله -عز وجل- إلى عبده سرّيْن يُسِرهما إليه، يُوجده ذلك بإلهام يُلهَمهُ، أحدهما : إذا وُلِد وخرج من بطن أمه، يقول له : عبدي، قد أخرجتك إلى الدنيا طاهراً نظيفاً، واستودعتك عُمرك، ائتمنتك عليه، فانظر كيف تحفظ الأمانة، وانظر كيف تلقاني كما أخرجتك، وسِرٌ عند خروج روحه، يقول له : عبدي، ماذا صنعت في أمانتي عندك ؟ هل حفظتها حتى تلقاني على العهد والرعاية، فألقاك بالوفاء والجزاء ؟ أو أضعتها فألقاك بالمطالبة والعقاب ؟ فهذا داخل في قوله عز وجل :﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾، وفي قوله عز وجل :﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] فعُمْر العبد أمانة عنده، إن حفظه فقد أدى الأمانة، وإن ضيَّعه فقد خان، ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]. هـ.
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ * ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ * ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ﴾ * ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ * ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ * ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ * ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَآءَ ذالِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ * ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ * ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ * ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ * ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
يقول الحق جل جلاله :﴿قد أفلح المؤمنون﴾ أي : فازوا بكل مطلوب، ونالوا كل مرغوب، فالفلاح : الفوز بالمرام والنجاة من المكاره والآلام، وقيل : البقاء في الخير على الأبد، وقد تقتضي ثبوت أمر متوقع، فهي هنا لإفادة ثبوت ما كان متوقع الثبوت من قبل، وكان المؤمنون يتوقعون مثل هذه البشارة ؛ وهي الإخبار بثبوت الفلاح لهم، فخُوطبوا بما دل على ثبات ما توقعوه. والإيمان في اللغة : التصديق بالقلب، والمؤمن : المصدِّق لِما جاء به الشرع، مع الإذعان بالقلب، وإلا. . فكم من كافر صدّق بالحق ولم يذعن، تكبُّراً وعناداً، فكل من نطق بالشهادتين، مواطئاً لسانُه قلبَه فهو مؤمن شرعاً، قال عليه الصلاة والسلام :" لَمَّا خَلَقَ الله الجَنَّةَ، قَالَ لَهَا : تَكَلَّمِي، فَقَالَتْ : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤمنُون -ثلاثاً- أنا حرامٌ على كلِّ بخيل مُرائي(١) " ؛ لأنه بالرياء أبطل العبادات الدينية، وليس له أعمال صافية.
قلت : كأنه فسر الفلاح والإيمان والخشوع بغايتهن، فأول الفلاح : الدخول في حوز الإسلام بحصول الإيمان، وغايته : إشراق شمس العرفان، وأول الإيمان : تصديق القلب بوجود الرب، من طرق الاستدلال والبرهان، وغايته : إشراق أسرار الذات على السريرة، فيصير الدليل محل العيان، فتَبتَهج السريرة بمخامرة الذوق والوجدان، وأول الخشوع : تدبر القلب فيما يقول، وحضوره عندما يفعل، وغايته : غيبته عن فعله في شهود معبوده، فينمحي وجود العبد عند تجلي أنوار الرب، فتكون صلاته شكراً لا قهراً، كما قال سيد العارفين صلى الله عليه وسلم :" أفلا أكون عبداً شكوراً ".
ولا تتحقق هذه المقامات إلا بالإعراض عن اللغو، وهو كل ما يشغل عن الله، وتزكية النفوس ببذلها في مرضاة الله، وإمساك الجوارح عن محارم الله، وحفظ الأنفاس والساعات، التي هي أمانات عند العبد من الله.
قال في القوت : قال بعض العارفين : إن لله -عز وجل- إلى عبده سرّيْن يُسِرهما إليه، يُوجده ذلك بإلهام يُلهَمهُ، أحدهما : إذا وُلِد وخرج من بطن أمه، يقول له : عبدي، قد أخرجتك إلى الدنيا طاهراً نظيفاً، واستودعتك عُمرك، ائتمنتك عليه، فانظر كيف تحفظ الأمانة، وانظر كيف تلقاني كما أخرجتك، وسِرٌ عند خروج روحه، يقول له : عبدي، ماذا صنعت في أمانتي عندك ؟ هل حفظتها حتى تلقاني على العهد والرعاية، فألقاك بالوفاء والجزاء ؟ أو أضعتها فألقاك بالمطالبة والعقاب ؟ فهذا داخل في قوله عز وجل :﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾، وفي قوله عز وجل :﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] فعُمْر العبد أمانة عنده، إن حفظه فقد أدى الأمانة، وإن ضيَّعه فقد خان، ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]. هـ.
١ أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/٣٩٧..