مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — نووي الجاوي

عن الكتاب
سورة المؤمنون
مكية، مائة وثمان عشرة آية عند الكوفيين، وتسع عشرة عند البصريين، ألف وثمانمائة وأربعون كلمة أربعة آلاف وثمانمائة حرف
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) أي فازوا بالمراد. وقرأ طلحة بن مصرف «أفلح» على البناء للمفعول، أي أدخلوا في الفلاح الذي هو الوصول إلى الله تعالى. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) أي خاضعون للمعبود بالقلب، غير ملتفتين بالخواطر إلى شيء سوى التعظيم ساكنون بالجوارح، مطرقون ناظرون إلى مواضع سجودهم لا يلتفتون يمينا ولا شمالا، ويرفعون أيديهم. والخشوع من فروض الصلاة عند الغزالي. والحضور عندنا ليس شرطا للإجزاء بل شرط للقبول كما قاله الرازي وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) أي الذين هم تاركون لما لا حاجة إليه في أمور الدين والدنيا من الأقوال والأفعال في عامة أوقاتهم وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤) أي مؤدّون وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) أي ممسكون فلا يرسلونها على أحد إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ أي سراريهم فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) على عدم حفظها منهن إذا كان إتيانهن على وجه الحلال فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ أي فمن طلب غير ذلك المستثنى كإتيان بهيمة أو زنا أو لواط، أو استمناء بيد، فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) أي الكاملون في مجاوزة الحدود وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) أي قائمون بحفظ وإصلاح فكل ما يكون تركه داخلا في الخيانة فهو أمانة، والعهد هو ما عقده العبد على نفسه فيما يقربه إلى الله تعالى، وما أمر الله تعالى به، وذلك كالوضوء والاغتسال من الجنابة والصلاة، والصوم، والودائع، والأسرار وغير ذلك.
وقرأ نافع وابن كثير «لأمانتهم» بالإفراد. وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩) لشروطها من وقت وطهارة وغيرهما، ولأركانها.
وقرأ حمزة والكسائي «صلاتهم» بالإفراد أُولئِكَ أي المؤمنون المتصفون بتلك الصفات هُمُ الْوارِثُونَ (١٠)
الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ.
روي أن الله تعالى بنى جنة الفردوس لبنة من ذهب، ولبنة من فضة وجعل خلالها المسك الأذفر، وغرس فيها من جيد الفاكهة وجيد الريحان.
وروى أبو أمامة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «سلوا الله الفردوس فإنها أعلى الجنان وإن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش»
«١». وسمى استحقاقهم الفردوس إرثا بأعمالهم بحسب وعده تعالى، لأن انتقال الجنة إليهم بدون محاسبة ومعرفة بمقاديرها هُمْ فِيها أي الفردوس خالِدُونَ (١١) لا يموتون ولا يخرجون منها أبدا. وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ أي جنس الإنسان مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) أي من خلاصة كائنة من طين ثُمَّ جَعَلْناهُ أي السلالة نُطْفَةً أي منيا، أربعين يوما فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) أي مكان حريز. فإن الله تعالى خلق جوهر الإنسان أولا طينا، ثم جعل جوهره بعد ذلك نطفة في صلب الأب فقذفه الصلب بالجماع إلى رحم الأم فصار الرحم مستقرا حصينا لهذه النطفة ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً أي ثم صيرنا المني الأبيض دما جامدا أربعين يوما، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً أي ثم صيرنا الدم الجامد الأحمر لحما صغيرا، مقدار ما يمضغ أربعين يوما فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً أي فصيرنا اللحم الصغير عظاما بلا لحم بأن صلبناها وجعلناها عمودا للبدن على هيئات مخصوصة من رأس ورجلين وما بينهما. فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً وشددناها بالأعصاب والعروق. فاللحم يستر العظام كالكسوة.
وقرأ ابن عامر وأبو بكر «عظما» و «العظم» بالإفراد في الموضعين. ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ أي حولنا العظام المستورة باللحم عن صفاتها إلى صفة لا يحيط بها شرح الشارحين فإن الله جعلها حيوانا ناطقا، سميعا بصيرا، عاقلا. وأودع كل جزء من أجزائه عجائب وغرائب لا يحيط بها وصف الواصفين فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) أي فتعالى شأن الله تعالى أتقن المحولين ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ أي التركيب بالأمور العجيبة لَمَيِّتُونَ (١٥) أي لصائرون إلى الموت.
وقرأ ابن أبي عبلة وابن محيص «لمائتون». ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي عند النفخة الثانية تُبْعَثُونَ (١٦) من قبوركم للحساب والمجازاة بالثواب والعقاب. وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ أي سبع سموات طرائق بعضها فوق بعض وإنما قيل للسموات: طرائق لتطارقها، أي لكون بعضها موضوعا فوق بعض طاقا فوق، كمطارقة النعل. فجعل الله في السموات موضعا لأرزاقنا بإنزال الماء منها. وكان نزول الوحي ومقرا للملائكة وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧) بل كنا حافظين لهم عن أن تسقط عليهم الطباق السبع فتهلكهم، ولسنا تاركين لهم بلا أمر ولا نهي،
(١) رواه الحاكم في المستدرك (٢: ٣٧١)، والطبراني في المعجم الكبير (٨: ٢٩٤)، والمتقي الهندي في كنز العمال (٣١٨٤)، بما معناه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى