الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿وَشَجَرَةً﴾ : عطفٌ على " جناتٍ ". وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو " سِيناء " بكسر السين. والباقون بفتحها. والأعمش كذلك إلاَّ أنه قَصَرها. فأمَّا القراءةُ الأولى فالهمزةُ فيها ليسَتْ للتأنيثِ ؛ إذ ليس في الكلام فِعْلاء بكسر الأول، وهمزتُه للتأنيث، بل للإِلحاقِ ك " سِرْداح " و " قِرْطاس " فهي كِعلْباء فتكونُ الهمزةُ منقلبةً عن ياءٍ أو واوٍ ؛ لأن الإِلحاقَ يكون بهما، فلمَّا وقع حرفُ العلةِ متطرفاً بعد ألفٍ زائدة قُلِبَتْ همزةً كرِداء وكِساء، قال الفارسي :" وهي الياءُ التي ظهرَتْ في " دِرْحايَة ". والدِّرْحاية : الرجلُ القصيرُ السمينُ.
وجعل أبو البقاءِ هذه الهمزةَ أصليةً فقال :" والهمزةُ على هذا أصلٌ مثل " حِمْلاق " وليسَتْ للتأنيثِ إذ ليس في الكلام مثلُ [ حِمْراء والياءُ أصلٌ إذ ليس في الكلام " سنأ " ] يعني : مادة سين ونون وهمزة. وهذا مخالِفٌ لِما تَقَدَّمَ مِنْ كونِها بدلاً من زائدٍ ملحقٍ بالأصل. على أن كلامَه محتملٌ للتأويلِ إلى ما تقدَّم، وعلى هذا فَمَنْعُ الصرفِ للتعريف والتأنيث ؛ لأنها اسمُ بُقعةٍ بعينها، وقيل : للتعريف والعُجْمة، قال بعضهم : والصحيحُ أن " سِيْناء " اسمٌ أعجمي نَطَقَتْ به العربُ فاختلفَتْ فيه لغاتُها فقالوا : سَيْناء كحَمْراء وصَفْراء، وسِيناء كعِلباء وحِرْباء وسِيْنين كخِنْذِيْذ وزِحليل، والخِنْذِيْذ : الفحلُ والخَصِيُّ أيضاً، فهو مِن الأضداد، وهو أيضاً رأسُ الجبلِ المرتفعُ، والزِّحْلِيلُ : المُتَنَحِّي مِنْ زَحَل إذا تَنحَّى.
وقال الزمخشري :" طُوْرُ سيناء وطور سينين : لا يخلوا : إمَّا أن يُضافَ فيه الطورُ إلى بقعةٍ اسمُها سيناء، وسينون، وإمَّا أَنْ يكونَ اسماً للجبلِ مركباً مِنْ مضافٍ ومضافٍ إليه كامرىء القيس وبعلبك، فيمَنْ أضاف. فَمَنْ كَسَرَ سينَ " سيناء " فقد مَنَعَ الصرفَ للتعريفِ والعجمةِ، أو التأنيثِ، لأنها بقعة وفِعْلاء لا تكون ألفه للتأنيث كعِلْباء وحِرْباء. قلت : وكونُ ألفِ فِعْلاء بالكسر ليست للتأنيث هو قولُ أهل البصرة، وأمَّا الكوفيون فعندهم أن ألفها تكون للتأنيثِ، فهي عندهم ممنوعةٌ للتأنيثِ اللازم كحمراء وبابها. وكسرُ السين من " سِيْناء " لغةُ كِنانة.
وأمَّا القراءة الثانية فألِفُها للتأنيث، فَمَنْع الصرف واضحٌ. قال أبو البقاء :" وهمزتُه للتأنيث إذ ليس في الكلامِ فَعْلال بالفتح. وما حكى الفراء مِنْ قولهم : ناقةٌ فيها خَزْعال " لا يَثْبُتُ، وإنْ ثبت فهو شاذٌّ لا يُحمل عليه ".
وقد وَهِم بعضُهم فجعل " سيناء " مشتقةً من السَّنا وهو الضوءُ، ولا يَصِحُّ ذلك لوجهين أحدُهما : أنه ليس عربيَّ الوَضْعِ. نَصُّوا على ذلك كما/ تقدم، الثاني : أنَّا وإنْ سلَّمنا أنه عربيُّ الوَضْعِ، لكنْ المادتان مختلفتان، فإنَّ عَيْنَ " السنا " نونٌ وعينَ " سيناء " ياء.
كذا قال بعضُهم. وفيه نظرٌ ؛ إذ لقائلٍ أَنْ يقولَ : لا نُسَلِّم أن عينَ " سيناء " ياءٌ، بل هي عينُها نونٌ وياؤُها مزيدةٌ، وهمزتُها منقلبةٌ عن واوٍ كما قُلِبت السَّناء، ووزنها حينئذٍ فِيْعال، وفِيْعال موجودٌ في كلامِهم كمِيْلاع وقِيْتال مصدرُ قاتلَ.
قوله " تنبُتُ " قرأ ابن كثير وأبو عمرو، " تُنْبِتُ " بضمِّ التاءِ وكسرِ الباءِ. والباقون بفتح التاء وضم الباء. فأمَّا الأولى ففيها ثلاثةٌ أوجهٍ، أحدُها : أنَّ " أنبت " بمعنى نَبَتَ فهو مما اتَّفق فيه فَعَل وأَفْعَل وأنشدوا لزهير :
أي : نبت، وأنكره الأصمعي، الثاني : أنَّ الهمزةَ للتعديةِ، والمفعولَ محذوفٌ لفهم المعنى أي : تُنْبِتُ ثمرَها أو جَناها. و " بالدهن " أي : ملتبساً بالدهن. الثالث : أنَّ الباءَ مزيدةٌ في المفعولِ به كهي في
﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ﴾
[البقرة: ١٩٥] وقولِ الشاعر :
٣٤١٠. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** سُوْدُ المَحاجرِ لا يَقْرَأْنَ بالسُّوَرِ
وقول الآخر :
نَضْربُ بالسَّيْفِ ونرْجُو بالفَرَجْ ***
وأما القراءةُ الأخرى فواضحةٌ، والباءُ للحال من الفاعل أي : ملتسبةً بالدُّهْن، يعني : وفيها الدهن.
وقرأ الحسن والزهري وابن هرمز " تُنْبِتُ " مبنياً للمفعول، مِنْ أنبتها الله. و " بالدهن " حالٌ من القائمِ مقامَ الفاعلِ أي : ملتسبةً بالدهن.
وقرأ زر بن حبيش " تُنْبِتُ الدُّهْنَ " مِنْ أَنْبَتَ، وسقوطُ الباء هنا يَدُلُّ على زيادتها في قراءة مَنْ أثبتها. والأشهب وسليمان بن عبد الملك " بالدِّهان " وهو جمع دُهْن كرُمْح ورِماح. وأمَّا قراءة أُبَي " تُثْمر "، وعبد الله " تَخْرج " فتفسيرٌ لا قراءةٌ لمخالفة السواد.
والدُّهْنُ : عُصارة ما فيه دَسَمٌ. والدَّهْن بالفتح المَسْح بالدُّهن مصدرٌ دَهَن يَدْهُنُ، والمُداهَنَةُ مِنْ ذلك ؛ كأنه يَمْسَح على صاحبه ليقِرَّ خاطرُه.
قوله :﴿وَصِبْغٍ﴾ العامَّةُ على الجرِّ نَسَقاً على " بالدُّهْن ". والأعمش " وصبغاً " بالنصبِ نَسَقاً على موضع " بالدُّهْن " كقراءةِ " وأَرْجلَكم " في أحدِ محتملاته، وعامر بن عبد الله " وصِباغ " بالألف، و كانت هذه القراءةُ مناسبةً لقراءةِ مَنْ قرأ " بالدِّهان ". والصَبْغ والصِّباغ كالدَّبْغ والدِّباغ وهو اسمُ ما يُفْعل به. وللآكلين " صفةٌ.
وجعل أبو البقاءِ هذه الهمزةَ أصليةً فقال :" والهمزةُ على هذا أصلٌ مثل " حِمْلاق " وليسَتْ للتأنيثِ إذ ليس في الكلام مثلُ [ حِمْراء والياءُ أصلٌ إذ ليس في الكلام " سنأ " ] يعني : مادة سين ونون وهمزة. وهذا مخالِفٌ لِما تَقَدَّمَ مِنْ كونِها بدلاً من زائدٍ ملحقٍ بالأصل. على أن كلامَه محتملٌ للتأويلِ إلى ما تقدَّم، وعلى هذا فَمَنْعُ الصرفِ للتعريف والتأنيث ؛ لأنها اسمُ بُقعةٍ بعينها، وقيل : للتعريف والعُجْمة، قال بعضهم : والصحيحُ أن " سِيْناء " اسمٌ أعجمي نَطَقَتْ به العربُ فاختلفَتْ فيه لغاتُها فقالوا : سَيْناء كحَمْراء وصَفْراء، وسِيناء كعِلباء وحِرْباء وسِيْنين كخِنْذِيْذ وزِحليل، والخِنْذِيْذ : الفحلُ والخَصِيُّ أيضاً، فهو مِن الأضداد، وهو أيضاً رأسُ الجبلِ المرتفعُ، والزِّحْلِيلُ : المُتَنَحِّي مِنْ زَحَل إذا تَنحَّى.
وقال الزمخشري :" طُوْرُ سيناء وطور سينين : لا يخلوا : إمَّا أن يُضافَ فيه الطورُ إلى بقعةٍ اسمُها سيناء، وسينون، وإمَّا أَنْ يكونَ اسماً للجبلِ مركباً مِنْ مضافٍ ومضافٍ إليه كامرىء القيس وبعلبك، فيمَنْ أضاف. فَمَنْ كَسَرَ سينَ " سيناء " فقد مَنَعَ الصرفَ للتعريفِ والعجمةِ، أو التأنيثِ، لأنها بقعة وفِعْلاء لا تكون ألفه للتأنيث كعِلْباء وحِرْباء. قلت : وكونُ ألفِ فِعْلاء بالكسر ليست للتأنيث هو قولُ أهل البصرة، وأمَّا الكوفيون فعندهم أن ألفها تكون للتأنيثِ، فهي عندهم ممنوعةٌ للتأنيثِ اللازم كحمراء وبابها. وكسرُ السين من " سِيْناء " لغةُ كِنانة.
وأمَّا القراءة الثانية فألِفُها للتأنيث، فَمَنْع الصرف واضحٌ. قال أبو البقاء :" وهمزتُه للتأنيث إذ ليس في الكلامِ فَعْلال بالفتح. وما حكى الفراء مِنْ قولهم : ناقةٌ فيها خَزْعال " لا يَثْبُتُ، وإنْ ثبت فهو شاذٌّ لا يُحمل عليه ".
وقد وَهِم بعضُهم فجعل " سيناء " مشتقةً من السَّنا وهو الضوءُ، ولا يَصِحُّ ذلك لوجهين أحدُهما : أنه ليس عربيَّ الوَضْعِ. نَصُّوا على ذلك كما/ تقدم، الثاني : أنَّا وإنْ سلَّمنا أنه عربيُّ الوَضْعِ، لكنْ المادتان مختلفتان، فإنَّ عَيْنَ " السنا " نونٌ وعينَ " سيناء " ياء.
كذا قال بعضُهم. وفيه نظرٌ ؛ إذ لقائلٍ أَنْ يقولَ : لا نُسَلِّم أن عينَ " سيناء " ياءٌ، بل هي عينُها نونٌ وياؤُها مزيدةٌ، وهمزتُها منقلبةٌ عن واوٍ كما قُلِبت السَّناء، ووزنها حينئذٍ فِيْعال، وفِيْعال موجودٌ في كلامِهم كمِيْلاع وقِيْتال مصدرُ قاتلَ.
قوله " تنبُتُ " قرأ ابن كثير وأبو عمرو، " تُنْبِتُ " بضمِّ التاءِ وكسرِ الباءِ. والباقون بفتح التاء وضم الباء. فأمَّا الأولى ففيها ثلاثةٌ أوجهٍ، أحدُها : أنَّ " أنبت " بمعنى نَبَتَ فهو مما اتَّفق فيه فَعَل وأَفْعَل وأنشدوا لزهير :
| رأيتُ ذوي الحاجات عند بيوتهِم | قَطِيْناً لها حتى إذا أَنْبَتَ البقلُ |
﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ﴾
[البقرة: ١٩٥] وقولِ الشاعر :
٣٤١٠. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** سُوْدُ المَحاجرِ لا يَقْرَأْنَ بالسُّوَرِ
وقول الآخر :
نَضْربُ بالسَّيْفِ ونرْجُو بالفَرَجْ ***
وأما القراءةُ الأخرى فواضحةٌ، والباءُ للحال من الفاعل أي : ملتسبةً بالدُّهْن، يعني : وفيها الدهن.
وقرأ الحسن والزهري وابن هرمز " تُنْبِتُ " مبنياً للمفعول، مِنْ أنبتها الله. و " بالدهن " حالٌ من القائمِ مقامَ الفاعلِ أي : ملتسبةً بالدهن.
وقرأ زر بن حبيش " تُنْبِتُ الدُّهْنَ " مِنْ أَنْبَتَ، وسقوطُ الباء هنا يَدُلُّ على زيادتها في قراءة مَنْ أثبتها. والأشهب وسليمان بن عبد الملك " بالدِّهان " وهو جمع دُهْن كرُمْح ورِماح. وأمَّا قراءة أُبَي " تُثْمر "، وعبد الله " تَخْرج " فتفسيرٌ لا قراءةٌ لمخالفة السواد.
والدُّهْنُ : عُصارة ما فيه دَسَمٌ. والدَّهْن بالفتح المَسْح بالدُّهن مصدرٌ دَهَن يَدْهُنُ، والمُداهَنَةُ مِنْ ذلك ؛ كأنه يَمْسَح على صاحبه ليقِرَّ خاطرُه.
قوله :﴿وَصِبْغٍ﴾ العامَّةُ على الجرِّ نَسَقاً على " بالدُّهْن ". والأعمش " وصبغاً " بالنصبِ نَسَقاً على موضع " بالدُّهْن " كقراءةِ " وأَرْجلَكم " في أحدِ محتملاته، وعامر بن عبد الله " وصِباغ " بالألف، و كانت هذه القراءةُ مناسبةً لقراءةِ مَنْ قرأ " بالدِّهان ". والصَبْغ والصِّباغ كالدَّبْغ والدِّباغ وهو اسمُ ما يُفْعل به. وللآكلين " صفةٌ.