فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
لما ذكر سبحانه الفلك أتبعه بذكر نوح ؛ لأنه أوّل من صنعه، وذكر ما صنعه قوم نوح معه بسبب إهمالهم للتفكر في مخلوقات الله سبحانه والتذكر لنعمه عليهم فقال :﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ وفي ذلك تعزية لرسول الله ﷺ، وتسلية له ببيان أن قوم غيره من الأنبياء كانوا يصنعون مع أنبيائهم ما يصنعه قومه معه، واللام جواب قسم محذوف ﴿فَقَالَ يا قوم اعبدوا الله﴾ أي اعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئاً كما يستفاد من الآيات الآخرة، وجملة :﴿مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ﴾ واقعة موقع التعليل لما قبلها، وارتفاع ﴿غيره﴾ لكونه وصفاً لإله على المحل ؛ لأنه مبتدأ خبره لكم، أي ما لكم في الوجود إله غيره سبحانه، وقرئ بالجرّ اعتباراً بلفظ إله ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ أي أفلا تخافون أن تتركوا عبادة ربكم الذي لا يستحقّ العبادة غيره، وليس لكم إله سواه. وقيل : المعنى أفلا تخافون أن يرفع عنكم ما خوّلكم من النعم ويسلبها عنكم. وقيل : المعنى : أفلا تقون أنفسكم عذابه الذي تقتضيه ذنوبكم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿فاسلك فِيهَا﴾ يقول : اجعل معك في السفينة ﴿مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثنين﴾. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد :﴿وَقُل رَّبّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً﴾ قال لنوح حين أنزل من السفينة. وأخرج هؤلاء عن قتادة في الآية قال : يعلمكم سبحانه كيف تقولون إذا ركبتم، وكيف تقولون إذا نزلتم. أما عند الركوب :﴿فسبحان الذي سَخَّرَ لَنَا هذا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إلى رَبّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣، ١٤]، ﴿بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبّي لَغَفُورٌ رحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]. وعند النزول :﴿ربّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين﴾. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله :﴿قَرْناً﴾ قال : أمة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ قال : بعيد بعيد. وأخرج ابن جرير عنه في قوله :﴿فجعلناهم غُثَاء﴾ قال : جعلوا كالشيء الميت البالي من الشجر.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى