فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
والاستفهام في قوله :﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتمْ﴾ للإنكار، والجملة مستأنفة مقرّرة لما قبلها من تقبيح اتباعهم له. قرئ بكسر الميم من ﴿متم﴾، من مات [ يمات ] كخاف يخاف، وقرئ بضمها من مات يموت، كقال يقول. ﴿وَكُنتُمْ تُرَاباً وعظاما﴾ أي كان بعض أجزائكم تراباً، وبعضها عظاماً نخرة لا لحم فيها ولا أعصاب عليها. وقيل : وتقديم التراب ؛ لكونه أبعد في عقولهم. وقيل : المعنى : كان متقدّموكم تراباً، ومتأخروكم عظاماً ﴿أَنَّكُمْ مخْرَجُونَ﴾ أي من قبوركم أحياء كما كنتم، قال سيبويه :" أنّ " الأولى في موضع نصب بوقوع " أيعدكم " عليها، وأن الثانية بدلّ منها. وقال الفرّاء والجرمي والمبرّد : إن " أن " الثانية مكرّرة للتوكيد، وحسن تكريرها لطول الكلام، وبمثله قال الزجاج. وقال الأخفش :" أن " الثانية في محل رفع بفعل مضمر، أي يحدث إخراجكم كما تقول : اليوم القتال، فالمعنى : اليوم يحدث القتال.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿فاسلك فِيهَا﴾ يقول : اجعل معك في السفينة ﴿مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثنين﴾. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد :﴿وَقُل رَّبّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً﴾ قال لنوح حين أنزل من السفينة. وأخرج هؤلاء عن قتادة في الآية قال : يعلمكم سبحانه كيف تقولون إذا ركبتم، وكيف تقولون إذا نزلتم. أما عند الركوب :﴿فسبحان الذي سَخَّرَ لَنَا هذا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إلى رَبّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣، ١٤]، ﴿بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبّي لَغَفُورٌ رحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]. وعند النزول :﴿ربّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين﴾. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله :﴿قَرْناً﴾ قال : أمة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ قال : بعيد بعيد. وأخرج ابن جرير عنه في قوله :﴿فجعلناهم غُثَاء﴾ قال : جعلوا كالشيء الميت البالي من الشجر.