التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم تأخذ السورة الكريمة بعد ذلك فى السخرية منهم لغفلتهم عن هذا المصير المحتوم، الذى سيفاجئهم بما لا يتوقعون. فيقول :﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾.
والهمزة فى قوله ﴿أَيَحْسَبُونَ﴾ للاستفهام الإنكارى. و " ما " موصولة، وهى اسم " أن " وخبرها جملة " نسارع لهم.
.. " والرابط مقدر أى : به.
أى : أيزن هؤلاء الجاهلون. أن ما نعطيهم إياه من مال وبنين، هو من باب المسارعة منا فى إمدادهم بالخيرات لرضانا عنهم وإكرامنا لهم ؟ كلا : ما فعلنا معهم ذلك لتكريمهم، وإنما فعلنا ذلك معهم لاستدراجهم وامتحانهم، ولكنهم لا يشعرون بذلك. ولا يحسون به لانطماس بصائرهم ولاستيلاء الجهل والغرور على نفوسهم.
فقوله - سبحانه - ﴿بَل لاَّ يَشْعُرُونَ﴾ إضراب انتقالى عن الحسبان المذكور وهو معطوف على مقدر ينسحب إليه الكلام.
أى : ما فعلنا ذلك معهم لإكرامنا إياهم كما يظنون، بل فعلنا ما فعلنا استدارجا لهم، ولكنهم لا يشعرون لهم ولا إحساس، وما هم إلا كالأنعام بل هم أضل.
لذا قال بعض الصالحين : من يعص الله - تعالى - ولم ير نقصاناً فيما أعطاه - سبحانه - من الدنيا. فليعلم أنه مستدرج قد مكر به.
وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - :﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بهذا الحديث سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى