التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - صفتهم الرابعة فقال :﴿والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾.
قرأ القراء السبعة ﴿يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ﴾ بالمد، على أنه من الإتيان بمعنى الإعطاء، والوجل : استشعار الخوف. يقال : وَجِل فلان وَجَلاً فهو واجل، إذا خاف، أى : يعطون ما يعطون من الصدقات وغيرها من ألوان البر، ومع ذلك فإن قلوبهم خائفة أن لا يقبل منهم هذا العطاء، لأى سبب من الأسباب فهم كما قال بعض الصالحين : لقد أدركنا أقواماً كانوا من حسناتهم أن ترد عليهم، أشفق منكم على سيئاتكم أن تعذبوا عليها.
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : أى : يعطون العطاء وهم خائفون أن لا يتقبل منهم، لخوفهم أن يكونوا قد قصروا فى القيام بشروط الإعطاء، وهذا من باب الإشفاق والاحتياط.
كما روى الإمام أحمد عن عائشة أنها قالت : " يا رسول الله ﴿والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ هو الذى يسرق ويزنى ويشرب الخمر، وهو يخاف الله - عز وجل - ؟
قال : " لا يا بنت الصديق، ولكنه الذى يصلى ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله - تعالى - " ".
ثم قال - رحمه الله - وقد قرأ آخرون :﴿والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ..﴾ من الإتيان. أى : يفعلون ما فعلوا وهم خائفون...
والمعنى على القراءة الأولى - وهى قراءة الجمهور : السبعة وغيرهم - أظهر لأنه قال - بعد ذلك - :﴿أولئك يُسَارِعُونَ فِي الخيرات وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ فجعلهم من السابقين، ولو كان المعنى على القراءة الأخرى، لأوشك أن لا يكونوا من السابقين، بل من المقتصدين أو المقتصرين.
وجملة ﴿وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ حال من الفاعل فى قوله - تعالى - ﴿يُؤْتُونَ﴾.
وجملة ﴿أَنَّهُمْ إلى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ تعليلية بتقدير اللام، وهى متعلقة بقوله :﴿وَجِلَةٌ﴾.
أى : وقلوبهم خائفة من عدم القبول لأنهم إلى ربهم راجعون، فيحاسبهم على بواعث أقوالهم وأعمالهم، وهم - لقوة إيمانهم - يخشون التقصير فى أى جانب من جوانب طاعتهم له - عز وجل -.
وقد جاءت هذه الصفات الكريمة - كما يقول الإمام الرازى - فى نهاية الحسن، لأن الصفة الأولى دلت على حصول الخوف الشديد الموجب للاحتراز عما لا ينبغى، والثانية : دلت على قوة إيمانهم بآيات ربهم، والثالثة دلت على شدة إخلاصهم، والرابعة : دلت على أن المستجمع لتلك الصفات يأتى بالطاعات مع الوجل والخوف من التقصير، وذلك هو نهاية مقامات الصديقين، رزقنا الله - سبحانه - الوصول إليها.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى