مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
ورابعها : أن يعتقدوا فيه الجنون فيقولون إنما حمله على ادعائه الرسالة جنونه وهو المراد من قوله :﴿أم يقولون به جنة﴾ وهذا أيضا ظاهر الفساد لأنهم كانوا يعلمون بالضرورة أنه أعقل الناس، والمجنون كيف يمكنه أن يأتي بمثل ما أتي به من الدلائل القاطعة والشرائع الكاملة، ولقد كان من المبغضين له عليه السلام من سماه بذلك وفيه وجهان : أحدهما : أنهم نسبوه إلى ذلك من حيث كان يطمع في انقيادهم له وكان ذلك من أبعد الأمور عندهم فنسبوه إلى الجنون لذلك. والثاني : أنهم قالوا ذلك إيهاما لعوامهم لكي لا ينقادوا له فأوردوا ذلك مورد الاستحقار له.
ثم إنه سبحانه بعد أن عد هذه الوجوه، ونبه على فسادها قال :﴿بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون﴾ من حيث تمسكوا بالتقليد ومن حيث علموا أنهم لو أقروا بمحمد ﷺ لزالت مناصبهم ولاختلت رياساتهم فلذلك كرهوه فإن قيل قوله :﴿وأكثرهم﴾ فيه دليل على أن أقلهم لا يكرهون الحق، قلنا كان فيهم من يترك الإيمان أنفة من توبيخ قومه وأن يقولوا ترك دين آبائه لا كراهة للحق كما حكي عن أبي طالب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى