تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي : جنون، فلهذا قال ما قال، والمجنون غير مسموع منه، ولا عبرة بكلامه، لأنه يهذي بالباطل والكلام السخيف.
قال الله في الرد عليهم في هذه المقالة :﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ أي : بالأمر الثابت، الذي هو صدق وعدل، لا اختلاف فيه ولا تناقض، فكيف يكون من جاء به، به جنة ؟ ! وهلا يكون إلا في أعلى درج الكمال، من العلم والعقل ومكارم الأخلاق، وأيضا فإن في هذا الانتقال مما تقدم، أي : بل الحقيقة التي منعتهم من الإيمان أنه جاءهم بالحق ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ وأعظم الحق الذي جاءهم به إخلاص العبادة لله وحده، وترك ما يعبد من دون الله، وقد علم كراهتهم لهذا الأمر وتعجبهم منه، فكون الرسول أتى بالحق، وكونهم كارهين للحق بالأصل، هو الذي أوجب لهم التكذيب بالحق لا شكا ولا تكذيبا للرسول، كما قال تعالى :﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ فإن قيل : لم لم يكن الحق موافقا لأهوائهم لأجل أن يؤمنوا و يسرعوا الانقياد ؟ أجاب تعالى بقوله :﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ ووجه ذلك أن أهواءهم متعلقة بالظلم والكفر والفساد من الأخلاق والأعمال، فلو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض، لفساد التصرف والتدبير المبني على الظلم وعدم العدل، فالسماوات والأرض ما استقامتا إلا بالحق والعدل ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بذكرهم﴾ أي : بهذا القرآن المذكر لهم بكل خير، الذي به فخرهم وشرفهم، حين يقومون به، ويكونون به سادة الناس.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى