التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما كان سينزل بالعالم من فساد. فيما لو اتبع الحق - على سبيل الفرض - أهواء هؤلاء المشركين، فقال - تعالى - :﴿وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات والأرض وَمَن فِيهِنَّ...﴾.
والمراد بالحق هنا - عند كثير من المفسرين - هو الله - عز وجل - إذ أن هذا اللفظ من أسمائه - تعالى -.
والمعنى : ولو أجاب الله - تعالى - هؤلاء المشركين إلى ما يهوونه ويشتهونه من باطل وقبيح. لفسدت السموات والأرض ومن فيهن ؛ لأن أهواءهم الفاسدة من شرك. وظلم، وحقد، وعناد... ، لا يمكن أن يقوم عليها نظام هذا الكون البديع، الذى أقمناه على الحق والعدل.
ويرى بعض المفسرين أن المراد بالحق هنا ما يقابل الباطل ويدل على ذلك قوله - تعالى - :﴿بَلْ جَآءَهُمْ بالحق وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾.
فيكون المعنى : ولو اتبع الحق الذى جاءهم به الرسول ﷺ أهواء المشركين، لفسدت السموات والأرض ومن فيهن، وذلك لأن الرسول ﷺ جاءهم بالتوحيد وهم يريدون الشرك، وجاءهم بمكارم الأخلاق، وهم يريدون ما ألفوه من شهوات، وجاءهم بالتشريعات العادلة الحكيمة، وهم يريدون التشريعات التى ترضى غرورهم وأوضاعهم الفاسدة، والتى منها تفضيل الناس بحسب أحسابهم وغناهم، لا بحسب إيمانهم وتقواهم... ومع وجاهة الرأيين، إلا أننا نميل إلى الرأى الثانى، لأنه أقرب إلى سياق الآيات، كما يشير إلى ذلك قوله - تعالى - :﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ﴾ انتقال من توبيخهم على كراهيتهم للحق، إلى توبيخهم على نفورهم مما فيه عزهم وفخرهم.
والمراد بذكرهم : القرآن الذى هو شرف لهم، كما قال - تعالى - :﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ أى : كيف يكرهون الحق الذى جاءهم به رسولهم ﷺ مع أنه قد أتاهم بالقرآن الكريم الذى فيه شرفهم ومجدهم ؟ إن إعراضهم عن هذا القرآن ليدل دلالة قاطعة، على غبائهم، وجهلهم، لأن العاقل لا يعرض عن شىء يرفع منزلته، ويكرم ذاته.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى