جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول تعالى ذكره : ولو عمل الربّ تعالى ذكره بما يهوَى هؤلاء المشركون وأجرى التدبير على مشيئتهم وإرادتهم وترك الحقّ الذي هم له كارهون، لفسدت السموات والأرض ومن فيهنّ وذلك أنهم لا يعرفون عواقب الأمور والصحيحَ من التدبير والفاسد. فلو كانت الأمور جارية على مشيئتهم وأهوائهم مع إيثار أكثرهم الباطل على الحقّ، لم تقرّ السموات والأرض ومن فيهنّ من خلق الله، لأن ذلك قام بالحقّ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا عبد الصمد، قال : حدثنا شعبة، قال : حدثنا السديّ، عن أبي صالح : وَلَوِ اتّبَعَ الحَقّ أهْوَاءَهُمْ قال : الله.
قال : حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح : وَلَوِ اتّبَعَ الحَقّ أهْوَاءَهُمْ قال : الحقّ : هو الله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله : وَلَوِ اتّبَعَ الحَقّ أهْوَاءَهُمْ قال : الحقّ : الله.
وقوله : بَلْ أتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ اختلف أهل التأويل في تأويل الذكر في هذا الموضع، فقال بعضهم : هو بيان الحقّ لهم بما أنزل على رجل منهم من هذا القرآن. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ، قال : حدثنا عبد الله، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله : بَلْ أتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ يقول : بيّنا لهم.
وقال آخرون : بل معنى ذلك : بل أتيناهم بشَرَفهم وذلك أن هذا القرآن كان شَرَفا لهم، لأنه نزل على رجل منهم، فأعرضوا عنه وكفروا به. وقالوا : ذلك نظير قوله وَإنّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وهذان القولان متقاربا المعنى. وذلك أن الله جلّ ثناؤه أنزل هذا القرآن بيانا بيّن فيه ما لخلقه إليه الحاجة من أمر دينهم، وهو مع ذلك ذكر لرسوله ﷺ وقومه وشَرَف لهم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
يقول تعالى ذكره: فإن يقولوا ذلك فكذبهم في قيلهم ذلك واضح بَيّن، وذلك أن المجنون يهذي فيأتي من الكلام بما لا معنى له، ولا يعقل ولا يفهم، والذي جاءهم به محمد هو الحكمة التي لا أحكم منها والحقّ الذي لا تخفى صحته على ذي فطرة صحيحة، فكيف يجوز أن يقال: هو كلام مجنون؟
وقوله: (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) يقول تعالى ذكره: ما بهؤلاء الكفرة أنهم لم يعرفوا محمدا بالصدق ولا أن محمدا عندهم مجنون، بل قد علموه صادقا محقا فيما يقول وفيما يدعوهم إليه، ولكن أكثرهم للإذعان للحقّ كارهون ولأتباع محمد ساخطون؛ حسدا منهم له وبغيا عليه واستكبارا في الأرض.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)﴾
يقول تعالى ذكره: ولو عمل الربّ تعالى ذكره بما يهوى هؤلاء المشركون وأجرى التدبير على مشيئتهم وإرادتهم وترك الحق الذي هم له كارهون، لفسدت السموات والأرض ومن فيهن; وذلك أنهم لا يعرفون عواقب الأمور والصحيح من التدبير والفاسد، فلو كانت الأمور جارية على مشيئتهم وأهوائهم مع إيثار أكثرهم الباطل على الحقّ، لم تقرّ السموات والأرض ومن فيهنّ من خلق الله، لأن ذلك قام بالحق.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك:
حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا السديّ، عن أبي صالح: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ) قال: الله.
قال: ثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ) قال: الحقّ: هو الله.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ) قال: الحق: الله.
وقوله: (بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ) اختلف أهل التأويل