اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿يا أيها النبي إِذَا جَاءَكَ المؤمنات يُبَايِعْنَكَ﴾ الآية.
لما فتح رسول الله ﷺ «مكة »، جاءه نساء أهل «مكة » يبايعنه، فأمر أن يأخذ عليهن أن لا يشركن(١).
قالت عائشة رضي الله عنها : والله ما أخذ رسول الله ﷺ قط إلا بما أمر الله - عز وجل - وما مست كف رسول الله ﷺ كف امرأة قط، وكان يقول إذا أخذ عليهن :" قَدْ بايعْتُكنَّ " كلاماً(٢)
وروي أنه - عليه الصلاة والسلام -، بايع النساء، وبين يديه وأيديهن ثوب، وكان يشترط عليهن(٣).
وقيل : لما فرغ من بيعة الرجال جلس على الصفا، ومعه عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أسفل منه، فجعل يشترط على النساء البيعة، وعمر يصافحهن.
وروي أنَّه كلف امرأة وقفت على الصفا، وكلفها أن تبايعهن، ففعلت.
قال ابن العربي(٤) : وذلك ضعيف، وإنما التعويل على ما في صحيح مسلم من حديث عائشة رضي الله عنه المتقدم. قالت : كانت المؤمنات إذا هاجرن إلى رسول الله ﷺ يمتحنهن بقول الله تعالى :﴿يا أيها النبي إِذَا جَاءَكَ المؤمنات يُبَايِعْنَكَ على أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بالله شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ﴾ إلى آخر الآية، قالت عائشة :«فمن أقر بهذا من المؤمنات، فقد أقر بالمحنة، وكان رسول الله ﷺ إذا أقررن بذلك من قولهن، قال لهن رسول الله ﷺ :" انْطَلقْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ "، لا والله ما مَسَّتُ يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط، غير أنه بايعهن بالكلام ».
وقالت أمُّ عطيَّة رضي الله عنها :«لما قدم رسول الله المدينة جمع نساء الأنصار في بيت، ثم أرسل إلينا عمر بن الخطاب، فقام على الباب فسلَّم فرددن عليه السلام فقال : أنا رسول رسول الله ﷺ إليكن :" ألا تشركن بالله شيئاً " الآية، فقلن : نعم، فمد يده من خارج البيت، ومددنا أيدينا من داخل البيت، ثم قال : اللَّهُمَّ اشْهَدْ »(٥)،
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : أن النبي ﷺ كان إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء فغمس يده فيه، ثم أمر النساء فغمسن أيديهن فيه(٦).

فصل :


روي «أن النبي ﷺ لما فرغ من بيعة الرجال يوم فتح " مكة "، وهو على الصفا، وعمر بن الخطَّاب أسفل منه يبايع النساء بأمر رسول الله ﷺ يبلغهن عنه، على ألاَّ يشركن بالله شيئاً، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان منتقبة متنكرة مع النساء خوفاً من رسول الله ﷺ أن يعرفها لما صنعته بحمزة يوم أحد، فقالت : والله إنك لتأخذ علينا أمراً ما رأيتك أخذته على الرجال، وكان بايع الرجال يومئذ على الإسلام، والجهاد فقط، فقال النبي ﷺ :" ولاَ يَسْرِقْنَ "، فقالت هند : إن أبا سفيان رجل شحيح وإني أصبت من ماله قوتنا، فلا أدري أيحلّ لي أم لا ؟.
فقال أبو سفيان : ما أًصبت من شيء فيما مضى وفيما غبر، فهو لك حلال، فضحك رسول الله ﷺ، فقال لها : وإنَّك لهِنْدُ بِنْتُ عتبة ؟ قالت : نعم، فاعف عني ما سلف، فقال عَفَا اللَّهُ عنكِ، ثم قال :﴿وَلاَ يَزْنِينَ﴾ فقالت هند : أو تزنِي الحُرَّة ؟ فقال :﴿وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ﴾، أي : لا يئدن الموءودات ولا يسقطن الأجنة، فقالت هند : ربَّيناهُمْ صغاراً وقتلتهم كباراً يوم بدر، وأنت وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان - وهو بكرها - قتل يوم بدر، فضحك عمر حتى استلقى، وتبسَّم رسول الله ﷺ، ثم قال :﴿وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ (٧) »
قال أكثر المفسرين(٨) : معناه لا يلحقن بأزواجهن ولداً من غيرهم، وكانت المرأة تلتقط ولداً، فتلحقه بزوجها وتقول : هذا ولدي منك، فكان هذا من البهتان والافتراء ؛ لأن النهي عن الزنا قد تقدم.
وقال بعض المفسرين : المرأة إذا التقطت ولداً، كأنَّما التقطت بيدها ومشت برجلها إلى أخذه، فإذا أضافته إلى زوجها، فقد أتت ببهتان تفتريه بين يديها ورجليها.
وقيل : يفترينه على أنفسهن حيث يقلن : هذا ولدنا، وليس كذلك، إذ الولد ولد الزنا.
وقيل : ما بين يديها ورجليها كناية عن الولد ؛ لأن البطن التي تحمل فيه الولد بين يديها، وفرجها الذي تلد منه بين رجليها، وهذا عام في الإتيان بولد، وإلحاقه بالزوج، وإن سبق النهي عن الزنا.
وقيل : معنى «بين أيديهن » : ألسنتهن بالنميمة، و«بين أرجلهن » : فروجهن.
وقيل : ما بين أيديهن من قبلة أو جسة، وبين أرجلهن الجماع(٩).
وروي أن هنداً لما سمعت ذلك قالت : والله إن البهتان لأمر قبيح ما تأمر إلا بالأرشد، ومكارم الأخلاق، ثم قال :﴿وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ أي : في كل أمر وافق طاعة الله.
قال بكر بن عبد الله المزنيُّ : في كل أمر فيه رشدهن.
وقال مجاهدٌ : لا تخلو المرأة بالرجال(١٠).
وقال سعيدُ بنُ المسيِّب والكلبيُّ وعبدُ الرحمنِ بن زيدٍ : هو النهي عن النوح، والدعاء بالويلِ، وتمزيق الثوب، وحلق الشعر، ونتفه، وخمش الوجه، ولا تحدِّث المرأة الرجال إلا ذا محرم، ولا تخلو برجل غير ذي محرم، ولا تسافر إلا مع ذي محرم(١١).
وروت أم عطيَّة عن النبيِّ ﷺ إن ذلك في النوح، وهو قول ابن عباس.
وروى شهر بن حوشب عن أم سلمة عن النبي ﷺ :﴿ولا يَعْصِينكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، قال :" هُوَ النَّوحُ " (١٢).
وفي صحيح مسلم عن أمِّ عطيَّة : لما نزل قوله :﴿يُبَايِعْنَك﴾، إلى قوله :﴿وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، قالت : كان منه النياحة، قالت : فقلت : يا رسول الله، إلا آل بني فلان، فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بد لي من أن أسعدهم، فقال رسول الله ﷺ :«إلا آل بني فلان »(١٣)
قوله :«يُبَايعْنكَ » : حال، و «شَيْئاً » : مصدر، أي شيئاً من الإشراك(١٤).
وقرأ علي(١٥) والسلمي والحسن :«يُقَتِّلْنَ » بالتشديد.
و«يفترينه » : صفة ل «بهتان »، أو حال من فاعل :«يأتين ».

فصل :


ذكر الله - عز وجل - في هذه الآية لرسول الله ﷺ في صفة البيعة خصالاً شتى، صرح فيهن بأركان النهي في الدين، ولم يذكر أركان الأمر، وهي ستة أيضاً : الشهادة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والاغتسال من الجنابة، وذلك لأن النهي دائم في كل الأزمان، وكل الأحوال، فكان التنبيه على اشتراط الدائم آكد.
وقيل(١٦) : إن هذه المناهي كان في النساء كثير من يرتكبها، ولا يحجزهن [ عنها ](١٧) شرف النسب، فخصت بالذكر لهذا، ونحو منه قوله - عليه الصلاة والسلام - لوفد عبد القيس :« » وأنْهَاكُم عن الدُّبَّاء والحنتمِ والنَّقيرِ والمزفَّتِ " (١٨).
فنبههم على ترك المعصية في شرب الخمر دون سائر المعاصي ؛ لأنها كانت شهوتهم وعادتهم، وإذا ترك المرء شهوته من المعاصي، هان عليه ترك سائرها مما لا شهوة له فيها.

فصل :


لما قال النبي ﷺ في البيعة :«﴿وَلا يَسْرِقْنَ﴾﴿وَلاَ يَزْنِينَ﴾، قالت هند : يا رسول الله إنَّ أبا سفيان رجل مسِّيك، فهل عليَّ حرج إن أخذت ما يكفيني وولدي ؟ فقال :" لا، إلاَّ بالمعرُوفِ "، فخشيت هند أن تقتصر على ما يعطيها، فتضيع، أو تأخذ أكثر من ذلك، فتكون سارقة ناكثة للبيعة المذكورة، فقال لها النبي ﷺ ذلك »، أي : لا حرج عليك فيما أخذت بالمعروف، يعني : من غير استطالة إلى أكثر من الحاجة.
قال ابن العربي رحمه الله :«وهذا إنما هو فيما لا يخزنه عنها في حجاب، ولا يضبط عليه بقفل، فإنه إذا هتكته الزوجة وأخذت منه [ كانت ](١٩) سارقة تعصي بها، وتقطع يدها ».

فصل في الكلام على الآية


فإن قيل : هلاَّ قيل : إذا جاءك المؤمنات فامتحنوهن، كما قال في المهاجرات ؟.
فالجواب من وجهين(٢٠) : أحدهما : أن الامتحان حاصل بقوله تعالى :﴿على أَن لاَّ يُشْرِكْنَ﴾ إلى آخره.
وثانيهما : أن المهاجرات يأتين من دار الحرب فلا اطلاع للمبايع على ما في قلبها، فلا بد من الامتحان، وأما المؤمنات، فهن في دار الإسلام، وعلمن الشرائع، فلا حاجة إلى الامتحان مع ظاهر حالها.
فإن قيل : ما الفائدة في تقديم البعض في الآية على البعض وترتيبها ؟.
فالجواب(٢١) : قدم الأقبح على ما هو الأدنى منه في القبح، ثم كذلك إلى آخره، وقدم في الأشياء المذكورة على ما هو الأظهر فيما بينهم.

فصل :


قال عبادةُ بن الصامت :«أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء : أنْ لا تُشرِكُوا باللَّه شَيْئاً ولا تَسْرقُوا ولا تزْنُوا ولا تقتلُوا أوْلادكُمْ، ولا يعضه بعضُكُمْ بعضاً، ولا تَعْصُوا في مَعْرُوفٍ آمُرُكمْ بِهِ »(٢٢).
معنى «يعضه » : يسحر، والعضه : السحر.
ولهذا قال ابن بحر وغيره في قوله تعالى :﴿وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ﴾ إنه : السحر.
وقال الضحاكُ : هذا نهي عن البهتان، أن لا يعضه رجل ولا امرأة «بِبُهتَانٍ »(٢٣) أي : بسحر، والجمهور على أن معنى «ببهتان » : بولد، يفترينه «بين أيديهن » : ما أخذته لقيطاً، «وأرجلهن » : ما ولدته من زنا كما تقدم(٢٤).

فصل في هذا الأمر(٢٥) :


قال المهدويُّ : أجمع المسلمون على أنه ليس للإمام أن يشترط عليهن هذا، والأمر بذلك ندب لا إلزام.
وقال بعض العلماء : إذا احتيج إلى المِحْنَةِ من أجل تباعد الدَّار كان على إمام المسلمين إقامة المحنة.
قوله :﴿فَبَايِعْهُنَّ واستغفر لَهُنَّ الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
قالت عائشة رضي الله عنها : كان النبي ﷺ يبايع النساء بالكلام بهذه الآية :﴿أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بالله شَيْئاً﴾ قالت : وما مسَّتْ يَدُ رسُول الله ﷺ إلا يد امرأة يملكها(٢٦).
وقالت [ أميمة ](٢٧) بنت رقيقة : بايعت رسول الله ﷺ في نسوة، فقالت :" فِيْمَا اسْتطعْتُنَّ وأطَعْتُنَّ "، فقلت : يا رسول الله صافحنا، فقال :" إنِّي لا أصَافِحُ النِّساءَ، إنَّما قَوْلِي لامرأةٍ كَقوْلِي لمِائةِ امرأة " (٢٨).
١ ينظر: القرطبي ١٨/٤٧..
٢ أخرجه البخاري (٨/٥٠٤) كتاب التفسير، باب: "إذا جاءك المؤمنات مهاجرات" رقم (٤٨٩١) عن عائشة.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣١١) وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه..

٣ ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٦/٤٢) عن معقل بن يسار أن النبي ﷺ كان يصافح النساء من تحت ثوب.
وقال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه عتاب بن حرب وهو ضعيف..

٤ ينظر: أحكام القرآن ٤/١٧٩١..
٥ أخرجه أحمد (٣/٤٩٣)..
٦ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣١٤) وعزاه إلى ابن سعد وابن مردويه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده..
٧ ذكره السيوطي في الدر ٦/٣١٢ وعزاه لابن جرير وابن مردويه..
٨ ينظر: القرطبي ١٨/٤٨..
٩ ينظر السابق..
١٠ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٧٦)..
١١ ينظر تفسير الرازي (٢٩/٢٦٧)..
١٢ أخرجه الترمذي (٣٣٠٧) وابن ماجه (١٥٧٩) من طريق شهر بن حوشب عن أم سلمة.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن..

١٣ أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" (٢/٦٤٦) من حديث أم عطية..
١٤ ينظر: الدر المصون ٦/٣٨..
١٥ ينظر: البحر المحيط ٨/٢٥٦، والدر المصون ٦/٣٠٨..
١٦ ينظر: القرطبي ١٨/٤٨..
١٧ سقط من أ..
١٨ تقدم..
١٩ في أ: صارت..
٢٠ ينظر: التفسير الكبير ٢٩/٢٦٧..
٢١ ينظر: السابق..
٢٢ أخرجه البخاري ١/٨١ كتاب الإيمان، باب: علامة الإيمان حب الأنصار (١٨) وفي ٧/٢٦٠ كتاب مناقب الأنصار، باب: وفود الأنصار (٣٨٩٢-٣٨٩٣) وكتاب المغازي (٣٩٩٩) وفي ٨/٥٠٦ كتاب التفسير، باب: "إذا جاءك المؤمنات": (٤٨٩٤) وفي ١٢/٨٥ كتاب الحدود، باب الحدود كفارة (٦٧٨٤). وفي ١٢/١٩٩ كتاب الديات، باب: قول النبي ﷺ "سترون بعدي أمورا..."(٧٠٥٥) وفي ١٣/٢٠٤ كتاب الأحكام، باب: كيف يبايع الإمام الناس (٧١٩٩). وفي ١٣/٢١٦ كتاب الأحكام، باب: بيعة النساء (٧٢١٣) وفي ١٣/٤٥٥ كتاب التوحيد، باب: في المشيئة والإرادة (٧٤٦٨) ومسلم (٣/١٣٣) كتاب الحدود، باب: الحدود كفارة لأهلها (٤١/١٧٠٩)..
٢٣ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/٤٩) عن الضحاك..
٢٤ ينظر: القرطبي ١٨٤٩..
٢٥ ينظر السابق ١٨/٥٠..
٢٦ تقدم..
٢٧ في أ: أميمة..
٢٨ أخرجه أحمد (٦/٣٥٧) والترمذي (١٩٥٧) والنسائي (١٤٩/٧) وابن ماجه (٢٨٧٤) والحميدي (١/١٦٣) رقم (٣٤٠) وابن حبان (١٤-موارد) والطبري في "تفسيره" (١٢/٧٠) من حديث أميمة بنت رقيقة.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣١١) وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن سعد وابن المنذر وابن مردويه..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى