زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إِذَا جَاءكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ قال المفسرون : لما فتح رسول الله ﷺ مكة جاءته النساء يبايعنه، فنزلت هذه الآية، وشرط في مبايعتهن الشرائط المذكورة في الآية، فبايعهن وهو على الصفا، فلما قال : ولا يزنين، قالت هند : أوتزني الحرة ؟ فقال : ولا يقتلن أولادهن، فقالت : ربيناهم صغارا فقتلتموهم كبارا، فأنتم وهم أعلم. وقد صح في الحديث أن النبي ﷺ لم يصافح في البيعة امرأة، وإنما بايعهن بالكلام. وقد سمينا من أحصينا من المبايعات في كتاب " التلقيح " على حروف المعجم، وهن أربعمائة وسبع وخمسون امرأة، والله الموفق.
قوله تعالى :﴿وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ قال المفسرون : هو الوأد الذي كانت الجاهلية تفعله.
قوله تعالى :﴿وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ فيه ثلاثة أقوال :
أحدها : لا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم، قاله ابن عباس، والجمهور، وذلك أن المرأة كانت تلتقط المولود، فتقول لزوجها : هذا ولدي منك، فذلك البهتان المفترى. وإنما قال :﴿بين أيديهن وأرجلهن﴾ لأن الولد إذا وضعته الأم سقط بين يديها ورجليها. وقيل : معنى ﴿يفترينه بين أيديهن﴾ : يأخذنه لقيطا و﴿أرجلهن﴾ ما ولدنه من زنى.
والثاني : السحر.
والثالث : المشي بالنميمة، والسعي في الفساد، ذكرهما الماوردي.
قوله تعالى :﴿وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ فيه ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه النوح، قاله ابن عباس، وروي مرفوعا عن النبي ﷺ.
والثاني : أنه لا يدعين ويلا، ولا يخدشن وجها، ولا ينشرن شعرا، ولا يشققن ثوبا، قاله زيد بن أسلم.
والثالث : جميع ما يأمرهن به رسول الله ﷺ من شرائع الإسلام وآدابه، قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي هذه الآية دليل على أن طاعة الولاة إنما تلزم في المباح دون المحظور.
قوله تعالى :﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾ المعنى : إذا بايعنك على هذه الشرائط فبايعهن.
قوله تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ وهم اليهود، وذلك أن ناسا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود أخبار المسلمين، يتقربون إليهم بذلك ليصيبوا من ثمارهم وطعامهم، فنزلت هذه الآية.
قوله تعالى :﴿قَدْ يَئِسُواْ مِنَ الآخِرَةِ﴾ وذلك أن اليهود بتكذيبهم محمدا، وهم يعرفون صدقه، قد يئسوا من أن يكون لهم في الآخرة خير، والمعنى : قد يئسوا من ثواب الآخرة، هذا قول الجمهور، وهو الصحيح. وقال قتادة : قد يئسوا أن يبعثوا ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ﴾ فيه قولان :
أحدهما : كما يئس الكفار من بعث من في القبور، قاله ابن عباس.
والثاني : كما يئس الكفار الذين ماتوا من ثواب الآخرة، لأنهم أيقنوا بالعذاب، قاله مجاهد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى