اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ﴾.
لما اعتذر حاطب بأن له أرحاماً وأولاداً فيما بينهم بيَّن الله - تعالى - أن الأهل والأولاد لا ينفعون شيئاً يوم القيامة إن عصى من أجل ذلك.
﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل الكافرين النار(١) ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
قوله :﴿يَوْمَ القيامة﴾ يجوز فيه وجهان(٢).
أحدهما : أن يتعلق بما قبله، أي : لن ينفعكم يوم القيامة، فيوقف عليه، ويبتدأ ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾.
والثاني : أن يتعلق بما بعده، أي : يفصل بينكم يوم القيامة، فيوقف على «أولادكم » ويبتدأ ﴿يَوْمَ القيامة﴾.
والقراء في ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ على أربع مراتب :
الأولى(٣) : لابن عامر : بضم الياء وفتح الفاء والصاد مثقلة.
الثانية : مثقلة إلا أنه بكسر الصاد للأخوين.
الثالثة : بفتح الياء وسكون الفاء وكسر الصاد مخففة لعاصم.
الرابعة : بضم الياء وسكون الفاء وفتح الصاد مخففة للباقين، وهم نافع وابن كثير، وأبو عمرو، وهذا في السبعة.
وقرأ ابن أبي عبلة وأبو حيوة : بضم الياء وكسر الصاد مخففة وسكون الفاء مخففة من «أفْصَلَ ».
وأبو حيوة أيضاً :«نُفْصِلُ » بضم النون، من «أفصل ».
والنخعي وطلحة :«نُفَصِّلُ » بضم النون وفتح الفاء وكسر الصَّاد مشددة.
وقرأ أيضاً وزيد بن علي(٤) :«نَفْصِلُ » بفتح النون وسكون الفاء وكسر الصاد مخففة فهذه أربع، فصارت ثماني قراءات.
فمن بناه للمفعول، فالقائم مقام الفاعل إما ضمير المصدر، أي : يفصل الفصل، أو الظرف، وبني على الفتح لإضافته إلى غير متمكن، كقوله :﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾[الأنعام: ٩٤] في أحد الأوجه، أو الظرف وهو باقٍ على نصبه كقولك : جُلِسَ عندك. ثم قال :﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، وفيه سؤال، وهو أنه لِمَ لَمْ يَقُلْ : خبير مع أنه أبلغ في العلم بالشيء(٥) ؟.
والجواب : أنَّ الخبير أبلغ في العلم، والبصير أشهر منه فيه، فإنه يجعله كالمحسُوس بحس البصر.
١ ينظر: السابق..
٢ ينظر: الدر المصون ٦/٣٠٣..
٣ ينظر هذه القراءات الأربع في: السبعة ٦٣٣، والحجة ٦/٢٨٥، وإعراب القراءات ٢/٣٦٠، وحجة القراءات ٧٠٦، والعنوان ١٨٩، وشرح الطيبة ٦/٥٠، وشرح شعلة ٦٠١، وإتحاف ٢/٥٣٣..
٤ ينظر في هذه القراءات: المحرر الوجيز ٥/٢٩٥، والبحر المحيط ٨/٢٥٢، والدر المصون ٦/٣٠٤..
٥ ينظر: الفخر الرازي ٢٩/٢٦٠..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى