النكت والعيون — الماوردي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله﴾ سئل حذيفة ابن اليمان عن المنافق فقال : الذي يصف الإسلام ولا يعمل به، وهم اليوم شر منهم على عهد رسول الله ﷺ، لأنهم كانوا يكتمونه وهم اليوم يظهرونه.
﴿قالوا نشهد إنك لرسول الله﴾ يعني نحلف، فعبر عن الحلف بالشهادة لأن كل واحد من الحلف والشهادة إثبات لأمر مغيب، ومنه قول قيس بن ذريح :
وأشهد عند الله أني أحبهافهذا لها عندي فما عندها ليا
ويحتمل ثانياً : أن يكون ذلك محمولاً على ظاهره أنهم يشهدون أن محمداً رسول الله اعترافاً بالإيمان ونفياً للنفاق عن أنفسهم، وهو الأشبه(١).
وسبب نزول هذه الآية ما روى أسباط عن السدي أن عبد الله بن أبي بن سلول كان مع رسول الله ﷺ في غزاة وفيها أعراب يتبعون الناس، وكان ابن أبي يصنع لرسول الله ﷺ في كل يوم طعاماً، فاستقى أعرابي ماء في حوض عمله من أحجار، فجاء رجل من أصحاب ابن ابي بناقة ليسقيها من ذلك الماء فمنعه الأعرابي واقتتلا فشجه الأعرابي، فأتى الرجل إلى عبد الله [ بن أبي ] ودمه يسيل على وجهه، فحزنه، فنافق عبد الله وقال : ما لهم رد الله أمرهم إلى تبال، وقال لأصحابه : لا تأتوا محمداً بالطعام حتى يتفرق عنه الأعراب، فسمع ذلك زيد بن أرقم وكان حدثاً، فأخبر عمه، فأتى عمه رسول الله ﷺ فحدثه، فبعث إلى ابن أبيّ وكان من أوسم الناس وأحسنهم منطقاً، فأتى رسول الله ﷺ فحلف : والذي بعثك بالحق ما قلت من هذا شيئاً، فصدقه فأنزل الله هذه الآية.
﴿والله يعلم إنك لرسوله﴾ أي إن نافق من نافقك من علم الله بأنك رسوله فلا يضرك.
ثم قال :﴿والله يشهد إن المنافقين لكاذبون﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : والله يقسم إن المنافقين لكاذبون في أيمانهم.
الثاني : معناه والله يعلم أن المنافقين لكاذبون فيها.
١ من قوله: قالوا نشهد، إلى هنا نقله القرطبي حرفيا عن المؤلف لكي لم يعزه إليه نظر ١٢٢ و١٢٣/ ١٨ من تفسير القرطبي هذا الحديث رواه البخاري ٨/ ٤٩٤ وأخرجه مسلم برقم ١٧٧٢، والترمذي ٣٣٠٩ و٣٣١٠ مع اختلاف في الرواية من بعض الوجوه رووه عن زيد ابن أرقم. انظر جامع الأصول ٢/ ٣٩٠..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى