الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿أَسْتَغْفَرْتَ﴾ : قراءةُ العامَّةُ بهمزةٍ مفتوحةٍ مِنْ غير مَدّ، وهي همزةُ التسويةِ التي أصلُها الاستفهامُ. وقرأ يزيد ابن القعقاع " آسْتَغْفَرْت ". بهمزةٍ ثم ألفٍ، فاختلف الناس في تأويلِها، فقال الزمخشري :" إشْباعاً لهمزة الاستفهام للإِظهارِ والبيان، لا قَلْباً لهمزة الوصل كما في " آلسحرُ " و " آللهُ " يعني أنه أشبع فتحةَ همزةِ التسويةِ فتولَّد منها ألفٌ، وقَصْدُه بذلِك إظهارُ الهمزةِ وبيانُها، لا أنه قَلَبَ الوصَل ألفاً كما قَلَبها في قولِه :" آلسحرُ " " آللهُ أَذِنَ لكم " لأنَّ هذه الهمزةَ للوَصْلَ، فهي تَسْقُط في الدَّرْج. وأيضاً فهي مكسورةٌ فلا يَلْتبسُ معها الاستفهامُ بالخبر : بخلاف " آلسحر " و " آلله ". وقال آخرون : هي عِوَضٌ من همزةِ الوصلِ. كما في " آلذَّاكَرَيْن " وهذا ليس بشيءٍ ؛ لأنَّ هذه مكسورةٌ فكيف تُبْدَلُ ألفاً ؟ وأيضاً فإنما قَلَبْناها هناك ألفاً ولم نحذِفْها، وإن كان حَذْفُها مُسْتحقاً، لئلا يلتبسَ الاستفهامُ بالخبر، وهنا لا لَبْسَ.
وقال ابن عطية :" قرأ أبو جعفر يعني يزيد بن القعقاع " آستغفرْتَ " بمَدَّة على الهمزةِ. وهي ألفُ التسوية. وقرأ أيضاً بوَصْلِ الألف دون همز على الخبر، وفي هذا كلِّه ضَعْفٌ ؛ لأنه في الأولى أثبت هَمزةَ الوصلِ، وقد أغنتْ عنها همزةُ الاستفهام، وفي الثانية حَذَفَ همزةَ الاستفهام، وهو يُريدها، وهذا ممَّا لا يُسْتعملُ إلاَّ في الشعر ". قلت : أمَّا قراءتُه " استغفرْتَ " بوَصْلِ الهمزة فرُوِيَتْ أيضاً عن أبي عمروٍ، إلاَّ أنه هو يضُمُّ ميم " عليهم " عند وَصْلِه الهمزةَ ؛ لأن أصلَها الضمُّ، وأبو عمرو يكسِرُها على أصلِ التقاء الساكنين. وأمَّا قولُه :" وهذا ممَّا لا يُسْتعمل إلاَّ في شعرٍ " فإنْ أراد بهذا مَدَّ هذه الهمزةِ في هذا المكانِ فصحيحٌ، بل لا نجده أيضاً، وإن أرادَ حَذْفَ همزةَ الاستفهام فليس بصحيحٍ لأنَّه يجوزُ حَذْفُها إجماعاً قبل " أم " نثراً ونَظْماً، وأمَّا دونَ " أم " ففيه خلافٌ، والأخفشُ يُجَوِّزُهُ ويجعلُ منه ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾ [الشعراء: ٢٢] وقولَه :
طَرِبْتُ وما شَوْقاً إلى البيضِ أَطْرَبُولا لَعِباً مني وذو الشَّيْبِ يَلْعَبُ
وقول الآخر :
أَفْرَحُ أَنْ أُرْزَأَ الكرامَ وأَنْأُوْرَثَ ذَوْداً شصائِصاً نَبْلا
وأمَّأ قبل " أم " فكثير كقولِه :
لَعَمْرُكَ ما أَدْري وإنْ كنتُ داريابسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْر أم بثمانٍ
وقد مَرَّتْ هذه المسألةُ مستوفاةً ولله الحمدُ

تفسير هذه الآية من كتب أخرى