تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية١١ : وقوله تعالى :﴿وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا﴾ فيه أن أهل الخصبة والدعة، هم الذين اشتغلوا بالتكذيب، وهم الذين كانوا يصدّون عن سبيل الله كما قال :﴿وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها﴾[الأنعام: ١٢٣] وقال :﴿وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها﴾[سبأ: ٣٤] فخص أولي النعمة بالذكر لهذا.
ثم في قوله :﴿وذرني والمكذبين﴾ إيهام بأن رسول الله ﷺ سبق منه المنع، ولم يوجد من رسول الله حيلولة ومنع، ولكن مثل هذا الخطاب موجود في كتاب الله في غير آية(١) من كتابه، وهو أنه يُخَرَّجَ مُخرَجا يوهم أن هناك مقدمة، وإن لم يكن فيها مقدمة في التحقيق.
قال الله تعالى :﴿والسماء رفعها﴾[الرحمن: ٧] ولم يكن فيه تحقيق الوضع، وإن كان الرفع يستعمل في الشيء الموضوع. وكان تأويل الرفع ههنا بأنها خلقت مرفوعة، وقال تعالى :﴿والأرض وضعها للأنام﴾[الرحمن: ١٠] ولم تكن مرفوعة، فوضعها، وكان معناه : أنها خلقت موضوعة.
وقال يوسف عليه السلام :﴿إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله﴾ [يوسف: ٣٧] ولم يسبق منه دخول في دين أولئك، فيكون تاركا له بعد ما دخل فيه.
وقال تعال :﴿والله وليّ الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾[البقرة: ٢٧٥] ولم يقتض قوله عز وجل :﴿يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾ كونهم في النور فيخرجونهم منه، وإن كان في الظاهر يؤدي ذلك.
[ فعلى ذلك ](٢) قوله :﴿وذرني والمكذبين﴾ وإن كان في الظاهر يقتضي حيلولة ومنعا.
فليس في الحقيقة إثبات منع، ويذكر غير هذا في سورة المدّثر(٣).
ثم قوله تعالى :﴿وذرني والمكذبين﴾ ومعناه : لا تجازهم/ ٦٠٧ – ب/ بصنيعهم، ولا(٤) تستعجل عليهم بالدعاء﴿وأولي النعمة ومهّلهم قليلا﴾﴿فسيكفيكهم الله﴾[البقرة: ١٣٧].
وقيل في الفرق بين النَّعمة والنِّعمة : إن النَّعمة ما تعطي للعبد إرادة استدراجه فيها وهلاكه كقوله عز وجل :﴿ونَعمة كانوا فيها فاكهين﴾[الدخان: ٢٧] والنِّعمة هي(٥) منّة الله تعالى على عباده تفضلا عليهم كقوله تعالى :﴿وأسبغ عليكم نِعمه ظاهرة وباطنة﴾[لقمان: ٢٠] والله أعلم.
١ في الأصل و م: آي..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ وهو قوله:﴿ذرني ومن خلقت وحيدا﴾[الآية: ١١]..
٤ الواو ساقطة من الأصل و م..
٥ في الأصل و م: هو..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى