البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الشيب : جمع أشيب.
﴿يوماً﴾ منصوب بتتقون، منصوب نصب المفعول به على المجاز، أي كيف تستقبلون هذا اليوم العظيم الذي من شأنه كذا وكذا ؟ والضمير في ﴿يجعل﴾ لليوم، أسند إليه الجعل لما كان واقعاً له على سبيل المجاز.
وقال الزمخشري :﴿يوماً﴾ مفعول به، أي فكيف تقون أنفسكم يوم القيامة وهو له إن بقيتم على الكفر ولم تؤمنوا وتعملوا صالحاً ؟ انتهى.
وتتقون مضارع اتقى، واتقى ليس بمعنى وقى حتى يفسره به، واتقى يتعدى إلى واحد، ووقى يتعدى إلى اثنين.
قال تعالى :﴿ووقاهم عذاب الجحيم﴾، ولذلك قدره الزمخشري : تقون أنفسكم يوم القيامة، لكنه ليس تتقون بمعنى تقون، فلا يتعدى بعديته، ودس في قوله : ولم تؤمنوا وتعملوا صالحاً الاعتزال.
قال : ويجوز أن يكون ظرفاً، أي فكيف لكم بالتقوى في يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا ؟ قال : ويجوز أن ينتصب بكفرتم على تأويل جحدتم، أي فكيف تتقون الله وتخشونه إن جحدتم يوم القيامة ؟ والجزاء لأن تقوى الله خوف عقابه. انتهى.
وقرأ الجمهور :﴿يوماً﴾ منوناً، ﴿يجعل﴾ بالياء ؛ والجملة من قوله :﴿يجعل﴾ صفة ليوم، فإن كان الضمير في ﴿يجعل﴾ عائداً على اليوم فواضح وهو الظاهر ؛ وإن عاد على الله، كما قال بعضهم، فلا بد من حذف ضمير يعود إلى اليوم، أي يجعل فيه كقوله :﴿يوماً لا تجزي نفس﴾.
وقرأ زيد بن عليّ : بغير تنوين : نجعل بالنون، فالظرف مضاف إلى الجملة، والشيب مفعول ثان ليجعل، أي يصير الصبيان شيوخاً، وهو كناية عن شدة ذلك اليوم.
ويقال في اليوم الشديد : يوم يشيب نواصي الأطفال، والأصل فيه أن الهموم إذا تفاقمت أسرعت بالشيب.
قال المتنبي :
والهم يخترم الجسيم نحافةويشيب ناصية الصبي ويهرم
وقال قوم : ذلك حقيقة تشيب رؤوسهم من شدة الهول، كما قد يرى الشيب في الدنيا من الهم المفرط، كهول البحر ونحوه.
وقال الزمخشري : ويجوز أن يوصف اليوم بالطول، وأن الأطفال يبلغون فيه أوان الشيخوخة.
وقال السدي : الولدان : أولاد الزنا.
وقيل : أولاد المشركين، والظاهر العموم، أي يشيب الصغير من غير كبر، وذلك حين يقال لآدم : يا آدم قم فابعث بعث النار.
وقيل : هذا وقت الفزع قبل أن ينفخ في الصور نفخة الصعق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى