اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله تعالى :﴿يا أيها المزمل﴾، أصله «المُتزمِّلُ » فأدغمت التاء في الزاي، يقال : تزمَّل يتزمل تزملاً، فإذا أريد الإدغام : اجتلبت همزة الوصل، وبهذا الأصل قرأ أبي بن(١) كعب.
وقرأ عكرمة(٢) :«المُزمِّل » - بتخفيف الزاي وتشديد الميم - اسم فاعل، وعلى هذا فيكون فيه وجهان :
أحدهما : أن أصله «المُزتمِل » بوزن «مفتعل » فأبدلت التاء ميماً وأدغمت، قاله أبو البقاء، وهو ضعيف.
والثاني : أنه اسم فاعل من «زمل » مشدداً، وعلى هذا، فيكون المفعول محذوفاً، أي : المزمل جسمه. وقرئ(٣) كذلك إلا أنه بفتح الميم اسم مفعول منه أي :«المُلفَّفُ، والتزمل : التلفف، يقال : تزمل زيد بكساء، أي : الفت به ؛ وقال ذو الرُّمَّة :[ الطويل ]
٤٩١٨ - وكَائِنْ تَخطَّت نَاقتِي مِنْ مفَازةٍومِنْ نَائِمٍ عَنْ ليْلِهَا مُتزمِّلِ(٤)
وقال امرؤ القيس :[ الطويل ]
٤٩١٩ - كَأنَّ ثَبِيراً فِي أفَانينِ ودقِهِكَبِيرُ أنَاسٍ في بجَادٍ مُزمَّلِ(٥)
وهو كقراءة بعضهم المتقدمة

فصل في بيان لمن الخطاب في الآية


هذا خطاب للنبي ﷺ وفيه ثلاثةُ أقوالٍ :
الأول : قال عكرمة :﴿يا أيها المزمل﴾ بالنبوة المتزمل بالرسالة(٦)، وعنه : يا أيها الذي زمل هذا الأمر(٧)، أي : حمله ثم فتر، وكان يقرأ :﴿يا أيها المزمل﴾ - بتخفيف الزاي وفتح الميم وتشديدها، على حذف المفعول، وكذلك :" المدثر "، والمعنى : المزمل نفسه والمدثر نفسه، والذي زمله غيره.
الثاني : قال ابن عباس : يا أيها المزمل بالقرآن(٨).
الثالث : قال قتادة : يا أيها المزمل بثيابه(٩).
قال النخعيُّ : كان متزملاً بقطيفة عائشة رضي الله عنها بمرط طوله أربعة عشر ذراعاً نصفه عليّ، وأنا نائمة ونصفه على النبي ﷺ وهو يصلي، والله ما كان خزاً ولا قزاً ولا مرعزاء ولا إبريسم ولا صوفاً، كان سداه شعراً ولحمته وبراً(١٠)، ذكره الثعلبي.
قال القرطبيُّ(١١) :" وهذا القول من عائشة يدل على أنَّ السورة مدنية، فإنَّ النبي ﷺ لم يبنِ بها إلاَّ بالمدينة، والقول بأنها مكية لا يصح ".
وقال الضحاكُ : تزمل لمنامه.
وقيل : بلغه من المشركين سوء قول فيه، فاشتد عليه فتزمل، وتدثر، فنزل :﴿يا أيها المزمل﴾ ﴿يا أيها المدثر﴾.
وقيل : كان هذا في ابتداء أمر ما أوحي إليه فإنه لما سمع صوت الملك، ونظر إليه أخذته الرعدة، فأتى أهله، وقال : زمِّلوني، دثِّرُونِي.
روي معناه عن ابن عباس، قال : أول ما جاءه جبريل خافه، وظن أن به مساً من الجنِّ، فناداه، فرجل من الجبل مرتعداً وقال : زمِّلُوني، زمِّلُونِي(١٢).
وقال الكلبيُّ : إنما تزمل النبي بثيابه ليتهيأ للصلاة(١٣)، وهو اختيار الفراءِ.
وقيل : إنه - عليه الصلاة والسلام - كان نائماً بالليل متزملاً في قطيفة فنودي بما يهجر تلك الحالة، فقيل له :﴿يا أيها المزمل﴾ قم واشتغل بالعبودية.
وقيل : معناه يا من تحمل أمراً عظيماً، والزمل : الحمل.
قال البغويُّ : قال الحكماء : كان هذا الخطاب للنبي ﷺ في أول الوحي قبل تبليغ الرسالة، ثم خوطب بعد بالنبي، والرسول.

فصل في نفي كون «المزمل » اسماً للنبي صلى الله عليه وسلم


قال السهيليُّ : ليس المزمل باسم من أسماء النبي ﷺ كما ذهب إليه بعض الناس، وعدوه في أسمائه ﷺ وإنما «المُزمِّلُ » اسم مشتق من حالته التي كان عليها حين الخطاب، وكذلك كان المُدثِّرُ.
وفي خطابه بهذا الاسم فائدتان : إحداهما : الملاطفة، فإن العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك المعاتبة، سموه باسم مشتق من حالته التي هو عليها «لقول النبي ﷺ لعلي - رضي الله عنه - حين غاضب فاطمة - رضي الله عنها - فأتاه وهو نائم وقد لصق جنبه بالتراب، فقال له :" قُمْ أبَا تُرابٍ "، إشعاراً له بأنه غير عاتب عليه، وملاطفة له وإشعاراً بترك العتب، [ وملاطفاً له وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام لحذيفة : قم يا نومان ملاطفة له، وإشعاراً بترك العتب والتأنيب ] - وكان نائماً - فقول الله تعالى لمحمد - عليه الصلاة والسلام - :﴿يا أيها المزمل قُمِ﴾ فيه تأنيس له، وملاطفة ليستشعر أنه غير عاتب عليه.
والفائدة الثانية : التنبيه لكل متزمل راقد ليله ليتنبه إلى قيام الليل، وذكر الله تعالى فيه لأن الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل من عمل ذلك العمل، واتصف بتلك الصفة.
١ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٣٨٦، والبحر المحيط ٨/٣٥٣، والدر المصون ٦/٤٠١..
٢ ينظر: السابق..
٣ ينظر: الكشاف ٤/٦٣٤، والبحر المحيط ٨/٣٥٣، والدر المصون ٦/٤٠١..
٤ ينظر: ديوانه (١٦٠٠) والكشاف ٤/٦٣٤، والبحر ٨/٣٥٢ والدر المصون ٦/٤٠١..
٥ ينظر: ديوانه ص ٢٥، وتذكرة النحاة ص ٣٠٨، ٣٤٦، وخزانة الأدب ٥/٩٨، ٩٩، ١٠٠، ١٠٢، ٩/٣٧، وشرح شواهد المغني ٢/٨٣٣، واللسان (زمل)، (خزم)، ومغني اللبيب ٢/٥١٥، والأشباه والنظائر ٢/١٠، والمحتسب ٢/١٣٥..
٦ ينظر: القرطبي (١٩/٢٢)..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٢٧٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٤١) وعزاه إلى ابن أبي شيبة وابن نصر..
٨ ذكره الماوردي في "تفسيره" (٦/١٢٥) والقرطبي (١٩/٢٢)..
٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٢٧٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٤٤١) وزاد نسبته إلى عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن نصر..
١٠ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٩/٢٢) عن النخعي..
١١ ينظر: الجامع لأحكام القرآن (١٩/٢٣)..
١٢ ينظر: القرطبي (١٩/٢٢) عن النخعي..
١٣ ينظر المصدر السابق..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى