أحكام القرآن — ابن العربي

عن الكتاب
الْآيَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى :﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمْ اللَّيْلَ إلَّا قَلِيلًا﴾
فِيهَا مَعَ الَّتِي تَلِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ :
المسألة الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى :﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ هُوَ الْمُلْتَفُّ، بِإِضَافَةِ الْفِعْلِ إلَى الْفَاعِلِ، وَكُلُّ شَيْءٍ لُفِّفَ فِي شَيْءٍ فَقَدْ زُمِّلَ بِهِ ؛ وَمِنْهُ قِيلَ لِلِفَافَةِ الرَّاوِيَةُ وَالْقِرْبَةِ زِمَالٌ.
وَفِي الْحَدِيثِ فِي قَتْلَى أُحُدٍ :«زَمِّلُوهُمْ بِثِيَابِهِمْ وَدِمَائِهِمْ » أَيْ لَفِّفُوهُمْ، يُقَالُ تَزَمَّلَ يَتَزَمَّلُ ؛ فَإِذَا أُدْغِمَتْ التَّاءُ قُلْت : ازَّمَّلَ بِتَشْدِيدَيْنِ.
وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِهِ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، قِيلَ لَهُ : يَا مَنْ تَلَفَّفَ فِي ثِيَابِهِ أَوْ فِي قَطِيفَتِهِ قُمْ ؛ قَالَهُ إبْرَاهِيمُ وَقَتَادَةُ. وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْمَجَازِ كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ : يَا مَنْ تَزَمَّلَ بِالنُّبُوَّةِ.
رَوَى عِكْرِمَةُ أَنَّهُ قَالَ : مَعْنَاهُ يَا مَنْ تَزَمَّلَ، أَيْ زَمَلْت هَذَا الْأَمْرَ فَقُمْ بِهِ.
[ فَأَمَّا الْعُدُولُ عَن الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ فَلَا يحْتَاجُ إلَيْهِ لَاسِيَّمَا وَفِيهِ خِلَافُ الظَّاهِرِ ؛ وَإِذَا تَعَاضَدَتْ الْحَقِيقَةُ وَالظَّاهِرُ لَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهُ. وَأَمَّا قَوْلُ عِكْرِمَةَ : إنَّك زَمَلْت هَذَا الْأَمْرَ فَقُمْ بِهِ ] ؛ وَإِنَّمَا يَسُوغُ هَذَا التَّفْسِيرُ لَوْ كَانَتْ الْمِيمُ مَفْتُوحَةً مُشَدَّدَةً بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَأَمَّا وَهُوَ بِلَفْظِ الْفَاعِلِ فَهُوَ بَاطِلٌ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّهُ زُمِّلَ بِالْقُرْآنِ فَهُوَ صَحِيحٌ فِي الْمَجَازِ، لَكِنَّهُ كَمَا قَدَّمْنَا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ، وَيَشْهَدُ لِمَعْنَاهُ حَدِيثٌ يُؤْثَرُ لَمْ يَصِحَّ، وَهُوَ قَوْلُهُ :«إنَّ اللَّهَ قَدْ زَادَكُمْ صَلَاةً إلَى صَلَاتِكُمْ هَذِهِ وَهِيَ الْوِتْرُ، فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ ».

تفسير هذه الآية من كتب أخرى