الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي
عن الكتاب
قوله :﴿سَبْحَاً﴾ : العامَّةُ على الحاء المهملة وهو مصدرُ سَبَحَ، وهو استعارةٌ، استعارَ للتصرُّفِ في الحوائجِ السِّباحةَ في الماءِ، وهي البُعْدُ فيه. وقرأ يحيى بن يعمر وعكرمة وابنُ أبي عبلة سَبْخاً " بالخاء المعجمةِ. واختلفوا في تفسيرِها، فقال الزمخشري :" استعارةً مِنْ سَبْخِ الصُّوفِ : وهو نَفْشُه ونَشْرُ أجزائِه لانتشارِ الهَمِّ وتفرُّقِ القلبِ بالشواغل. وقيل : التَّسبيخُ : التخفيفُ، حكى الأصمعيُّ : سَبَخَ الله عَنَك الحُمَّى، أي : خَفَّفَها عنك. قال الشاعر :
أي : خَفِّفَ. ومنه " لا تُسَبِّخي بدُعائِك "، أي : لا تُخَفِّفي. وقيل : التَّسْبيخ : المَدُّ. يقال : سَبِّخي قُطْنَكِ، أي : مُدِّيه، والسَّبيخة : قطعة من القطن. والجمعُ سبائخُ. قال الأخطل يصف صائِداً وكلاباً :
وقال أبو الفضل الرازي :" وقرأ ابن يعمرَ وعكرمة " سَبْخاً " بالخاء معجمةَ وقالا : معناه نَوْماً، أي : يَنامُ بالنهار ليَسْتعينَ به على قيام الليل. وقد تحتمِلُ هذه القراءةُ غيرَ هذا المعنى، لكنهما فَسَّراها فلا تَجاوُزَ عنه ". قلت : في هذا نظرٌ ؛ لأنهما غايةُ ما في البابِ أنَّهما نقلا هذه القراءةَ، وظَهَرَ لهما تفسيرُها بما ذكرا، ولا يَلْزَمُ مِنْ ذلك أنَّه لا يجوزُ غيرُ ما ذَكَرا مِنْ تفسيرِ اللفظة.
| فَسَبِّخْ عليكَ الهَمَّ واعلمْ بأنَّه | إذا قَدَّرَ الرحمنُ شيئاً فكائِنُ |
| فأَرْسَلوهُنَّ يُذْرِيْنَ الترابَ كما | يُذْرِيْ سبائخَ قُطْنٍ نَدْفُ أوتارِ |