الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي
عن الكتاب
ثم عجَّب نبيّه ( عليه السلام ) فقال :﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾.
والكلام في ليلة القدر على خمسة أبواب :
الباب الأوّل : في مأخذ هذا الاسم ومعناه، واختلف العلماء، فقال أكثرهم : هي ليلة الحكم والفصل يقضي اللّه فيها قضاء السنة، وهو مصدر من قولهم : قدر اللّه الشيء قَدْراً وقَدَراً لغتان كالنَّهْر والنَّهَر والشَّعْر والشَّعَر، وقدَّرهُ تقديراً له بمعنى واحد، قالوا : وهي الليلة التي قال اللّه سبحانه :﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٣-٤] وإنّما سُمّيت ليلة القدر مباركة ؛ لأن اللّه سبحانه يُنزل فيها الخير والبركة والمغفرة.
وروى أبو الضحى عن ابن عباس أن اللّه عزّ وجلّ يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان ويُسلمها إلى أربابها في ليلة القدر.
روي أنه تعالى يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلاّ الكاهن، أو الساحر، أو مدمن خمر، أو عاق لوالديه، أو مصرّ على الزنا، أو [ مشاحن ]، أو قاطع رحم.
وقيل للحسين بن الفضل : أليس قد قدّر اللّه سبحانه المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض ؟ قال : نعم، قال : فما معنى ليلةُ القدر ؟ قال : سَوقُ المقادير إلى المواقيت، وتنفيذ القضاء المقدَّر.
أخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم، عن ابن جُبير قال : حدّثنا ابن حميد قال : حدّثنا مهران عن سفيان، عن محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير قال : يؤْذن للحُجاج في ليلة القدر فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا يُغادر منهم أحد، ولا يزاد ولا ينقصُ منهم.
وقال الزهري : هي ليلة العظمة والشرف، من قول الناس : لفلان عند الأمير قدْر، أي جاه ومنزلة، يقال : قدرت فلاناً أي عظّمتهُ، قال اللّه سبحانه :﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] أي ما عظّموا اللّه حق عظمتهِ، وقال أبو بكر الورّاق : سُمِّيتْ بذلك لأنّ من لم يكن ذا قدر وخطر يصيرُ في هذه الليلة ذا قدر إذا أدركها وأحياها.
وقيل : إنّ كلّ عمل صالح يؤخذ فيها من المؤمن فيكون ذا قدر وقيمة عند اللّه ؛ لكونه مقبولا فيها.
وقيل : لأنّه أُنزل كتابٌ ذو قدر، على رسول ذي قدر، لأجل أُمّة ذاتِ قدر، وقال سهل بن عبد اللّه : لأنّ اللّه سبحانه يقدّر الرحمة فيها على عباده المؤمنين.
وقيل : لأنه يُنزَّل فيها إلى الأرض ملائكة أُولو قدر وذوو خطر.
وقال الخليل بن أحمد : سُمِّيت بذلك لأنّ الأرض تضيق فيها بالملائكة، من قوله :﴿وَيَقْدِرُ﴾
﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧].
الباب الثاني : اختلاف العلماء في وقتها، وأي ليلة هي، وذكر اختلاف الصحابة فيها.
فقال بعضهم : إنّما كانت على عهد رسول اللّه ﷺ ثم رفعت.
أخبرني عبد اللّه بن حامد إجازة قال : أخبرنا محمد بن الحسين بن الحسن قال : حدّثنا أحمد بن يوسف قال : حدّثنا عبد اللّه قال : أخبرنا سفيان، عن الأوزاعي، عن مرشد، أو عن أبي مرشد قال :" كنتُ جالساً مع أبي ذرّ عند خُمرة الوسطى، فسُئل عن ليلة القدر، فقال : كنت أسأل الناس عنها رسول اللّه ﷺ، قال : قلت : يا رسول اللّه ليلة القدر هل هي تكون على عهد الأنبياء ( عليهم السلام )، فإذا مضوا رفعت ؟ قال :" لا، بل هي إلى يوم القيامة ".
وأخبرنا عبد اللّه بن حاطب قال : أخبرنا محمد بن عامر السمرقندي قال : أخبرنا عمر بن الحسين قال : حدّثنا عبد بن حميد، عن روح بن عبادة قال : حدّثنا ابن جريج قال : أخبرني داود ابن أبي عاصم، عن عبد اللّه بن عيسى مولى معاوية قال : قلت لأبي هريرة زعموا أنّ ليلة القدر قد رفعتْ، قال : كذب من قال ذلك، قال : قلت : هي في كلّ شهر رمضان استقبله ؟ قال : نعم.
وقال بعضهم : هي في ليالي السنة كلّها، وإنّ من علّق طلاق امرأته أو عتق عبده ليلة القدر لم يقع الطلاق ولم ينفذ العتاق إلى مضي سنة من يوم حلف، وهي إحدى الروايات عن ابن مسعود قال : من يُقِم الحول كلّه يصبْها. قال : فبلغ ذلك عبد اللّه بن عمر، فقال : يرحم اللّه أبا عبد الرحمن، أما إنه علِمَ أنها في شهر مضان ؟ ولكن أراد أن لا يتّكل الناس، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة أنها في جميع السنة، وحُكي عنه أيضاً أنّه قال : رفعت ليلة القدر، وروي عن ابن مسعود أيضاً أنه قال : إذا كانت السنة في ليلة كانت العام المقبل في ليلة أُخرى، والجمهور من أهل العلم على أنها في شهر رمضان في كل عام.
أخبرنا عبد اللّه بن حامد قال : أخبرنا محمد بن عامر قال : أخبرنا عمر بن يحيى قال : حدّثنا عبد بن حميد، عن عبيد اللّه بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن أبي عمير أنه سئل عن ليلة القدر : أفي كل رمضان هي ؟ قال : نعم.
وأخبرنا عقيل أن المعافى أخبرهم، عن محمد بن جرير قال : حدّثني يعقوب قال : حدّثنا ابن عليّة قال : حدّثنا ابن ربيعة بن كلثوم قال : قال رجل للحسين وأنا أسمع : أرأيت ليلة القدر أفي كل رمضان هي ؟ قال :" نعم، واللّه الذي لا إله إلاّ هو إنها لفي كلّ رمضان، وإنّها ليلة يفرق فيها كلّ أمر حكيم، فيها يقضى كلّ أجل وعمل، ورزق وخلق إلى مثلها ".
واختلفوا في أول ليلة هي منها، فقال أنور بن العقيلي : هي أول ليلة من شهر رمضان، وقال الحسن : هي ليلة سبع عشرة، وهي الليلة التي كانت صبيحتها وقعة بدر.
والصحيح أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان، وإليه ذهب الشافعي رضي الله عنه، يدلّ عليه ما أخبرنا أبو محمد الحسن بن أحمد بن محمد الشيباني قال : أخبرنا عبد اللّه بن مسلم، قال : حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، وقال : أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن ابن مسلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول اللّه ﷺ قال :" أُريتُ ليلة القدر ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الغوابر ".
وأخبرنا أبو بكر العباسي قال : أخبرنا أبو الحسن المحفوظي قال : حدّثنا عبد اللّه بن قاسم قال : حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان وشعبة وإسرائيل، عن ابن إسحاق، عن هُبيرة، عن علي رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان يوقظ أهله في العشرة الأواخر من رمضان.
وأخبرنا أبو محمد المخلَّدي وعبد اللّه بن حامد قال : أخبرنا مكي قال : حدّثنا عمار بن رجاء قال : حدّثنا أحمد بن أبي طيبة، عن عنبسة بن الأزهر، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد قال : سمعت عليّاً رضي الله عنه يقول :" كان رسول اللّه ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان دأب وأدأبَ أهله ".
فدلَّت هذهِ الأخبار على أن ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان.
ثم اختلفوا في أي ليلة فيها، فقال أبو سعيد الخدري : هي الليلة الحادية والعشرون، واحتجّ في ذلك بما أخبرنا أبو نعيم الأزهري قال : حدّثنا أبو عوانة سنة ست عشرة وثلاثمائة، قال : أخبرنا المزني قال : قال الشافعي : وأخبرنا أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن أحمد المطوعي، وأبو علي السيوري، وأبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه المصيبي قالوا : حدّثنا أبو العباس الأصمّ قال : أخبرنا الشافعي قال : أخبرنا مالك، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري قال :" كان رسول اللّه ﷺ يعتكف العشر الوسط من شهر رمضان، فلمّا كانت [ ليلة ] إحدى وعشرين وهي التي كان يخرج في صبيحتها من اعتكافه قال ﷺ :" من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، فإني رأيت هذه الليلة ثم أُنسيتها " وقال :" وأريتني أسجد في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر "، فأمطرت السماء في تلك الليلة، وكان المسجد على عريش فوكف المسجد ".
قال أبو سعيد [ فأبصرت عيناي ] رسول اللّه ﷺ انصرف، علينا وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين.
وقال بعضهم : هي الليلة الثالثة والعشرون منها.
أخبرنا عبد اللّه بن حامد قال : أخبرنا عبد اللّه بن محمد الهمداني قال : أخبرنا الحسين بن عبد الأعلى قال : أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال :" جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال : يا رسول اللّه إني رأيتُ في النوم كأن ليلة القدر سابعة تبقى، فقال رسول اللّه ﷺ :" أرى رؤياكم قد تواطأت على ثلاث وعشرين، من كان منكم يريد أن يقوم من الشهر شيئاً فليقم ليلة ثلاث وعشرين ".
قال معمر : كان أيوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين ويمسّ طيباً.
وأخبرنا عبد اللّه بن حامد قال : أخبرنا مكّي قال : حدّثنا أحمد بن حفص قال : حدّثني أبي قال : حدّثني إبراهيم، عن عبّاد وهو ابن إسحاق، عن الزهري، عن ضمرة بن عبد اللّه بن أنيس، عن أبيه قال :" كنت في مجلس من بني سلمة وأنا أصغرهم فقالوا : من يسأل لنا رسول اللّه ﷺ عن ليلة القدر ؟ وذلك صبيحة إحدى وعشرين من رمضان، قال : فخرجت فوافيت مع رسول اللّه ﷺ صلاة المغرب، ثم نمت بباب بيته، فمرّ بي فقال :" ادخل " فدخلت، فأُتيَ بعشائه فرأيتني أكفّ عنه من قلته، فلمّا فرغ قال :" ناولني نعلي " فقام وقمت معه، فقال : كان لك حاجة ؟ فقلت : أرسلني إليك رهط من بني سلمة يسألونك عن ليلة القدر، فقال :" كم الليلة ؟ " فقلت : اثنان وعشرون، فقال :" هي الليلة "، ثم رجع فقال :" أو الثالثة " يُريد ليلة ثلاث وعشرين ".
قال أخبرني ابن فنجويه قال : حدّثنا طفران قال : حدّثنا الحسن بن إسماعيل المحاملي قال : حدّثنا يعقوب الدورقي قال : حدّثنا عبد اللّه بن إدريس قال : سمعت عاصم بن كليب يروي عن أبيه، عن خاله قال :" قال رسول اللّه ﷺ :" إني رأيت ليلة القدر ثم أُنسِيتُها، ورأيت مسيح الضلالة [ فخرجت إليكم لأُبيّنها ]، فرأيت رجلين يتلاحيان فحجزتُ بينهما فأنسيتهما، وسأشدو لكم منها شدواً، فأمّا ليلة القدر فاطلبوها في العشر الأواخر وتراً، وأمّا مسيح الضلالة فرجل أجلى الجبهة، ممسوح العين اليسرى، عريض النحر، فيه دمامة كأنّه فلان بن عبد العزى، أو عبد العزى بن فلان ". قال : فذكرت هذا الحديث لابن عباس قال : وما عجبك ؟ سأل عمر بن الخطاب أصحاب رسول اللّه ﷺ وكان يسألني معهم مع الأكابر منهم، ويقول لي : لا تتكلم حتى يتكلّموا، فقال : علمتم أنّ رسول اللّه ﷺ قال :" ليلة القدر اطلبوها في العشر الأواخر وتراً "، ففي أي الوتر ترون ؟
قال : فأكثر القوم في الوتر، فقال : مالك لا تكلّم ابن عباس ؟ قال : قلت : إن شئت تكلّمت، قال : عن رأيك أسألك ؟ قال : قلت : رأيت اللّه سبحانه أكثر ذكر السبع، وذكر السماوات سبعاً، والأرضين والطواف سبعة، والجمار سبعة، وما شاء اللّه من ذلك، خلق الإنسان من سبعة، وجعل رزقه من سبعة. قال : قلت : خلق الإنسان، فقال : فكلّما ذكرت عرقت، فما قولك : خلق الإنسان من سبعة، وجعل رزقه من سبعة ؟ قال : قلت :{ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُ
والكلام في ليلة القدر على خمسة أبواب :
الباب الأوّل : في مأخذ هذا الاسم ومعناه، واختلف العلماء، فقال أكثرهم : هي ليلة الحكم والفصل يقضي اللّه فيها قضاء السنة، وهو مصدر من قولهم : قدر اللّه الشيء قَدْراً وقَدَراً لغتان كالنَّهْر والنَّهَر والشَّعْر والشَّعَر، وقدَّرهُ تقديراً له بمعنى واحد، قالوا : وهي الليلة التي قال اللّه سبحانه :﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٣-٤] وإنّما سُمّيت ليلة القدر مباركة ؛ لأن اللّه سبحانه يُنزل فيها الخير والبركة والمغفرة.
وروى أبو الضحى عن ابن عباس أن اللّه عزّ وجلّ يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان ويُسلمها إلى أربابها في ليلة القدر.
روي أنه تعالى يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلاّ الكاهن، أو الساحر، أو مدمن خمر، أو عاق لوالديه، أو مصرّ على الزنا، أو [ مشاحن ]، أو قاطع رحم.
وقيل للحسين بن الفضل : أليس قد قدّر اللّه سبحانه المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض ؟ قال : نعم، قال : فما معنى ليلةُ القدر ؟ قال : سَوقُ المقادير إلى المواقيت، وتنفيذ القضاء المقدَّر.
أخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم، عن ابن جُبير قال : حدّثنا ابن حميد قال : حدّثنا مهران عن سفيان، عن محمد بن سوقة، عن سعيد بن جبير قال : يؤْذن للحُجاج في ليلة القدر فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا يُغادر منهم أحد، ولا يزاد ولا ينقصُ منهم.
وقال الزهري : هي ليلة العظمة والشرف، من قول الناس : لفلان عند الأمير قدْر، أي جاه ومنزلة، يقال : قدرت فلاناً أي عظّمتهُ، قال اللّه سبحانه :﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١] أي ما عظّموا اللّه حق عظمتهِ، وقال أبو بكر الورّاق : سُمِّيتْ بذلك لأنّ من لم يكن ذا قدر وخطر يصيرُ في هذه الليلة ذا قدر إذا أدركها وأحياها.
وقيل : إنّ كلّ عمل صالح يؤخذ فيها من المؤمن فيكون ذا قدر وقيمة عند اللّه ؛ لكونه مقبولا فيها.
وقيل : لأنّه أُنزل كتابٌ ذو قدر، على رسول ذي قدر، لأجل أُمّة ذاتِ قدر، وقال سهل بن عبد اللّه : لأنّ اللّه سبحانه يقدّر الرحمة فيها على عباده المؤمنين.
وقيل : لأنه يُنزَّل فيها إلى الأرض ملائكة أُولو قدر وذوو خطر.
وقال الخليل بن أحمد : سُمِّيت بذلك لأنّ الأرض تضيق فيها بالملائكة، من قوله :﴿وَيَقْدِرُ﴾
﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧].
الباب الثاني : اختلاف العلماء في وقتها، وأي ليلة هي، وذكر اختلاف الصحابة فيها.
فقال بعضهم : إنّما كانت على عهد رسول اللّه ﷺ ثم رفعت.
أخبرني عبد اللّه بن حامد إجازة قال : أخبرنا محمد بن الحسين بن الحسن قال : حدّثنا أحمد بن يوسف قال : حدّثنا عبد اللّه قال : أخبرنا سفيان، عن الأوزاعي، عن مرشد، أو عن أبي مرشد قال :" كنتُ جالساً مع أبي ذرّ عند خُمرة الوسطى، فسُئل عن ليلة القدر، فقال : كنت أسأل الناس عنها رسول اللّه ﷺ، قال : قلت : يا رسول اللّه ليلة القدر هل هي تكون على عهد الأنبياء ( عليهم السلام )، فإذا مضوا رفعت ؟ قال :" لا، بل هي إلى يوم القيامة ".
وأخبرنا عبد اللّه بن حاطب قال : أخبرنا محمد بن عامر السمرقندي قال : أخبرنا عمر بن الحسين قال : حدّثنا عبد بن حميد، عن روح بن عبادة قال : حدّثنا ابن جريج قال : أخبرني داود ابن أبي عاصم، عن عبد اللّه بن عيسى مولى معاوية قال : قلت لأبي هريرة زعموا أنّ ليلة القدر قد رفعتْ، قال : كذب من قال ذلك، قال : قلت : هي في كلّ شهر رمضان استقبله ؟ قال : نعم.
وقال بعضهم : هي في ليالي السنة كلّها، وإنّ من علّق طلاق امرأته أو عتق عبده ليلة القدر لم يقع الطلاق ولم ينفذ العتاق إلى مضي سنة من يوم حلف، وهي إحدى الروايات عن ابن مسعود قال : من يُقِم الحول كلّه يصبْها. قال : فبلغ ذلك عبد اللّه بن عمر، فقال : يرحم اللّه أبا عبد الرحمن، أما إنه علِمَ أنها في شهر مضان ؟ ولكن أراد أن لا يتّكل الناس، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة أنها في جميع السنة، وحُكي عنه أيضاً أنّه قال : رفعت ليلة القدر، وروي عن ابن مسعود أيضاً أنه قال : إذا كانت السنة في ليلة كانت العام المقبل في ليلة أُخرى، والجمهور من أهل العلم على أنها في شهر رمضان في كل عام.
أخبرنا عبد اللّه بن حامد قال : أخبرنا محمد بن عامر قال : أخبرنا عمر بن يحيى قال : حدّثنا عبد بن حميد، عن عبيد اللّه بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن أبي عمير أنه سئل عن ليلة القدر : أفي كل رمضان هي ؟ قال : نعم.
وأخبرنا عقيل أن المعافى أخبرهم، عن محمد بن جرير قال : حدّثني يعقوب قال : حدّثنا ابن عليّة قال : حدّثنا ابن ربيعة بن كلثوم قال : قال رجل للحسين وأنا أسمع : أرأيت ليلة القدر أفي كل رمضان هي ؟ قال :" نعم، واللّه الذي لا إله إلاّ هو إنها لفي كلّ رمضان، وإنّها ليلة يفرق فيها كلّ أمر حكيم، فيها يقضى كلّ أجل وعمل، ورزق وخلق إلى مثلها ".
واختلفوا في أول ليلة هي منها، فقال أنور بن العقيلي : هي أول ليلة من شهر رمضان، وقال الحسن : هي ليلة سبع عشرة، وهي الليلة التي كانت صبيحتها وقعة بدر.
والصحيح أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان، وإليه ذهب الشافعي رضي الله عنه، يدلّ عليه ما أخبرنا أبو محمد الحسن بن أحمد بن محمد الشيباني قال : أخبرنا عبد اللّه بن مسلم، قال : حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، قال : أخبرنا ابن وهب، وقال : أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن ابن مسلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول اللّه ﷺ قال :" أُريتُ ليلة القدر ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الغوابر ".
وأخبرنا أبو بكر العباسي قال : أخبرنا أبو الحسن المحفوظي قال : حدّثنا عبد اللّه بن قاسم قال : حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان وشعبة وإسرائيل، عن ابن إسحاق، عن هُبيرة، عن علي رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان يوقظ أهله في العشرة الأواخر من رمضان.
وأخبرنا أبو محمد المخلَّدي وعبد اللّه بن حامد قال : أخبرنا مكي قال : حدّثنا عمار بن رجاء قال : حدّثنا أحمد بن أبي طيبة، عن عنبسة بن الأزهر، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد قال : سمعت عليّاً رضي الله عنه يقول :" كان رسول اللّه ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان دأب وأدأبَ أهله ".
فدلَّت هذهِ الأخبار على أن ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان.
ثم اختلفوا في أي ليلة فيها، فقال أبو سعيد الخدري : هي الليلة الحادية والعشرون، واحتجّ في ذلك بما أخبرنا أبو نعيم الأزهري قال : حدّثنا أبو عوانة سنة ست عشرة وثلاثمائة، قال : أخبرنا المزني قال : قال الشافعي : وأخبرنا أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن أحمد المطوعي، وأبو علي السيوري، وأبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه المصيبي قالوا : حدّثنا أبو العباس الأصمّ قال : أخبرنا الشافعي قال : أخبرنا مالك، عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري قال :" كان رسول اللّه ﷺ يعتكف العشر الوسط من شهر رمضان، فلمّا كانت [ ليلة ] إحدى وعشرين وهي التي كان يخرج في صبيحتها من اعتكافه قال ﷺ :" من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، فإني رأيت هذه الليلة ثم أُنسيتها " وقال :" وأريتني أسجد في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر "، فأمطرت السماء في تلك الليلة، وكان المسجد على عريش فوكف المسجد ".
قال أبو سعيد [ فأبصرت عيناي ] رسول اللّه ﷺ انصرف، علينا وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين.
وقال بعضهم : هي الليلة الثالثة والعشرون منها.
أخبرنا عبد اللّه بن حامد قال : أخبرنا عبد اللّه بن محمد الهمداني قال : أخبرنا الحسين بن عبد الأعلى قال : أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال :" جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال : يا رسول اللّه إني رأيتُ في النوم كأن ليلة القدر سابعة تبقى، فقال رسول اللّه ﷺ :" أرى رؤياكم قد تواطأت على ثلاث وعشرين، من كان منكم يريد أن يقوم من الشهر شيئاً فليقم ليلة ثلاث وعشرين ".
قال معمر : كان أيوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين ويمسّ طيباً.
وأخبرنا عبد اللّه بن حامد قال : أخبرنا مكّي قال : حدّثنا أحمد بن حفص قال : حدّثني أبي قال : حدّثني إبراهيم، عن عبّاد وهو ابن إسحاق، عن الزهري، عن ضمرة بن عبد اللّه بن أنيس، عن أبيه قال :" كنت في مجلس من بني سلمة وأنا أصغرهم فقالوا : من يسأل لنا رسول اللّه ﷺ عن ليلة القدر ؟ وذلك صبيحة إحدى وعشرين من رمضان، قال : فخرجت فوافيت مع رسول اللّه ﷺ صلاة المغرب، ثم نمت بباب بيته، فمرّ بي فقال :" ادخل " فدخلت، فأُتيَ بعشائه فرأيتني أكفّ عنه من قلته، فلمّا فرغ قال :" ناولني نعلي " فقام وقمت معه، فقال : كان لك حاجة ؟ فقلت : أرسلني إليك رهط من بني سلمة يسألونك عن ليلة القدر، فقال :" كم الليلة ؟ " فقلت : اثنان وعشرون، فقال :" هي الليلة "، ثم رجع فقال :" أو الثالثة " يُريد ليلة ثلاث وعشرين ".
قال أخبرني ابن فنجويه قال : حدّثنا طفران قال : حدّثنا الحسن بن إسماعيل المحاملي قال : حدّثنا يعقوب الدورقي قال : حدّثنا عبد اللّه بن إدريس قال : سمعت عاصم بن كليب يروي عن أبيه، عن خاله قال :" قال رسول اللّه ﷺ :" إني رأيت ليلة القدر ثم أُنسِيتُها، ورأيت مسيح الضلالة [ فخرجت إليكم لأُبيّنها ]، فرأيت رجلين يتلاحيان فحجزتُ بينهما فأنسيتهما، وسأشدو لكم منها شدواً، فأمّا ليلة القدر فاطلبوها في العشر الأواخر وتراً، وأمّا مسيح الضلالة فرجل أجلى الجبهة، ممسوح العين اليسرى، عريض النحر، فيه دمامة كأنّه فلان بن عبد العزى، أو عبد العزى بن فلان ". قال : فذكرت هذا الحديث لابن عباس قال : وما عجبك ؟ سأل عمر بن الخطاب أصحاب رسول اللّه ﷺ وكان يسألني معهم مع الأكابر منهم، ويقول لي : لا تتكلم حتى يتكلّموا، فقال : علمتم أنّ رسول اللّه ﷺ قال :" ليلة القدر اطلبوها في العشر الأواخر وتراً "، ففي أي الوتر ترون ؟
قال : فأكثر القوم في الوتر، فقال : مالك لا تكلّم ابن عباس ؟ قال : قلت : إن شئت تكلّمت، قال : عن رأيك أسألك ؟ قال : قلت : رأيت اللّه سبحانه أكثر ذكر السبع، وذكر السماوات سبعاً، والأرضين والطواف سبعة، والجمار سبعة، وما شاء اللّه من ذلك، خلق الإنسان من سبعة، وجعل رزقه من سبعة. قال : قلت : خلق الإنسان، فقال : فكلّما ذكرت عرقت، فما قولك : خلق الإنسان من سبعة، وجعل رزقه من سبعة ؟ قال : قلت :{ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُ