الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿سَلاَمٌ هِيَ﴾ فيه وجهان، أحدُهما : أنَّ " هي " ضمير الملائكة، و " سلام " بمعنى التسليم، أي : الملائكة ذاتُ تَسْليمٍ على المؤمنين. وفي التفسير : أنهم يُسَلِّمون تلك الليلةَ على كلِّ مؤمنِ ومؤمنة بالتحية. والثاني : أنها ضميرُ ليلةِ القَدْرِ، وسلامٌ بمعنى سَلامة، أي : ليلةُ القَدْرِ ذاتُ سلامةٍ مَنْ شيءٍ مَخوفٍ. ويجوزُ على كلٍ من التقديرَيْن أَنْ يرتفعَ " سلامٌ " على أنه خبرٌ مقدمٌ، و " هي " مبتدأٌ مؤخرٌ، وهذا هو المشهورُ، وأنْ يرتفع بالابتداء و " هي " فاعلٌ به عند الأخفشِ، لأنه لا يَشْتَرِطُ الاعتمادَ في عَمَلِ الوصفِ. وقد تقدَّم أَنْ بعضَهم يجعلُ الكلامُ تامَّاً على قولِه ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾ ويُعَلِّقُ " مِنْ كلِّ أمرٍ " بما بعدَه، وتقدَّم تأويلُه.
وقال أبو الفضل :" وقيل : معناه : هي سلامٌ مِنْ كلِّ أمرٍ أو امرئٍ، أي : سالمةٌ أو مُسَلَّمةٌ منه. ولا يجوزُ أَنْ يكونَ " سلامٌ " - هذه اللفظةُ الظاهرةُ التي هي المصدر - عاملاً فيما قبله لامتناع تقدُّمِ معمولِ المصدرِ على المصدرِ، كما أنَّ الصلةَ كذلك، لا يجوزُ تقديمُها على الموصول " انتهى. وقد تقدَّم أنَّ معنى ذلك عند هذا القائلِ أَنْ تتعلَّقَ بمحذوفٍ مَدْلولٍ عليه ب " سَلام " فهو تفسيرُ معنىً لا تفسيرُ إعرابٍ. وما يُرْوَى عن ابنِ عباس أنَّ الكلامَ تَمَّ على قولِه تعالى ﴿سلامٌ﴾ ويُبْتدأ ب " هي " على أنَّها خبرُ مبتدأ، والإِشارةُ ب " ذلك " إلى أنها ليلةُ السابعِ والعشرين، لأن لفظةَ " هي " سابعةٌ وعشرون مِنْ كَلِمِ هذه السورةِ، وكأنَّه قيل : ليلةُ القدر الموافقةُ في العددِ لفظةَ " هي " مِنْ كِلَمِ هذه السورةِ، فلا ينبغي أن يُعْتَقَدَ صحتُه لأنه إلغازٌ وتبتيرٌ لنَظْم فصيحِ الكلامِ.
قوله :﴿هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ﴾ متعلِّقٌ ب " تَنَزَّلُ " أو ب " سَلامٌ "، وفيه إشكالٌ للفَصْلِ بين المصدرِ ومعمولِه بالمبتدأ، إلاَّ يُتَوَسَّعَ في الجارِّ. وفي التفسير : أنهم لا يَزالون يُحَيُّون الناس المؤمنين حتى يَطْلُعَ الفجرُ. وقرأ الكسائي " مَطْلِعِ " بكسر اللام، والباقون بفتحها، والفتح هو القِياسُ، والكسرُ سماعٌ، وله أخوات يُحْفَظُ فيها الكسرُ ممَّا ضُمَّ مضارعُه أو فُتح نحو : المَشْرِق والمَجْزِر. وهل هما مصدران أو المفتوحُ مصدرٌ والمكسور مكانٌ ؟ خِلافٌ. وعلى كلِّ تقديرٍ فالقياسُ في المَفْعِل مطلقاً مِمَّا ضُمَّتْ عينُ مضارعِه أو فُتِحَتْ فَتْح العينِ، وإنما يقعُ الفرقُ في المكسور العينِ الصحيح نحو : يَضْرِب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى