تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي

عن الكتاب
قد تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول سورة البقرة، بما أغنى عن إعادته هاهنا، وقيل : المراد بقوله ﴿ن﴾ حوت عظيم وقيل : المراد بقوله ﴿ن﴾ لوح من نور، وقيل : المراد بقوله ﴿ن﴾ الدواة، ﴿والقلم﴾ القلم، روي عن الحسن وقتادة في قوله ﴿ن﴾ قالا : هي الدواة، وقوله تعالى :﴿والقلم﴾ الظاهر أنه جنس القلم الذي يكتب به كقوله تعالى :﴿الذى عَلَّمَ بالقلم * عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٤-٥] فهو قسم منه تعالى، وتنبيه لخلقه على ما أنعم به عليهم، من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم، ولهذا قال :﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ قال ابن عباس : يعني وما يكتبون، وقال أبو الضحى عنه ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ أي وما يعملون، وقال السدي ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ يعني الملائكة وما تكتب من أعمال العباد، وقال آخرون : بل المراد هاهنا بالقلم الذي أجراه الله بالقدر، حين كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرضن بخمسين ألف عام، روى ابن أبي حاتم عن الوليد بن عبادة بن الصامت قالت :« دعاني أبي حين حضره الموت، فقال : إني سمعت رسول الله ﷺ يقول :» إن أول ما خلق الله القلم فقال : اكتب، قال : يا ربّ وما أكتب؟ قال اكتب القدر وما هو كائن إلى الأبد « وعن ابن عباس أنه كان يحدّث أن رسول الله ﷺ قال :» إن أول شيء خلقه الله القلم فأمره فكتب كل شيء «. وقال مجاهد ﴿والقلم﴾ يعني الذي كتب الذكر، وقوله تعالى :﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ أي يكتبون كما تقدم.
وقوله تعالى :﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ أي لست ولله الحمد بمجنون، كما يقوله الجهلة من قومك، المكذبون بما جئتهم به من الهدى حيث نسبوك إلى الجنون، ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي بل إن لك الأجر العظيم، والثواب الجزيل الذي لا ينقطع ولا يبيد، على إبلاغك رسالة ربك إلى الخلق، وصبرك على أذاهم، ومعنى ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي غير مقطوع، كقوله :﴿عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي غير مقطوع عنهم، وقال مجاهد ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ : أي غير محسوب، وهو يرجع إلى ما قلناه، وقوله تعالى :﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قال ابن عباس : وإنك لعلى دين عظيم وهو الإسلام، وقال عطية : لعلى أدب عظيم، وقال قتادة :» ذكر لنا أن سعد بن هشام سأل عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت : ألست تقرأ القرآن؟ قال : بلى، قالت : فإن خلق رسول الله ﷺ كان القرآن «، وورى الإمام أحمد عن الحسن قال :» سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت : كان خلقه القرآن «
، وقال ابن جرير، عن سعد بن هشام قال :« أتيت عائشة أمّ المؤمنين رضي الله عنها فقلت لها : أخبريني بخلق النبي ﷺ، فقالت : كان خلقه القرآن، أما تقرأ :﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ » ؟ ومعنى هذا أنه ﷺ صار امتثال القرآن سجية له وخلقاً، وترك ضبعه الجبلي، فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه، هذا مع ما جبله الله عليه من الخلق العظيم، من الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم، وكل خلق جميل، كما ثبت في الصحيحين عن أنَس، قال :« خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لي : أُفٍّ قط، ولا قال لشيء فعلتُه لِمَ فعلتَه؟ ولا لشيء لم أفعله أَلاَ فعلته؟ وكان ﷺ أحسن الناس خُلقاً ولا مست خزاً ولا حريراً ولا شيئاً كان ألين من كف رسول الله ﷺ، ولا شممت مسكاً ولا عطراً كان أطيب من عرق رسول الله ﷺ » وروى البخاري، « عن البراء قال : كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجهاً، وأحسن الناس خَلقاً ليس بالطويل ولا بالقصير »، وروى الإمام أحمد، عن عائشة قالت : ما ضرب رسول الله ﷺ بيده خادماً قط، ولا ضرب امرأة، ولا ضرب بيده شيئاً قط إلاّ أن يجاهد في سبيل الله، ولا خير بين شيئين قط إلاّ كان أحبهما إليه أيسرهما حتى يكون إثماً، فإذا كان إِثماً كان أبعد الناس من الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه إلاّ أن تنتهك حرمات الله، فيكون هو ينتقم لله عزَّ وجلَّ.
وقوله تعالى :﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَييِّكُمُ المفتون﴾ أي فستعلم يا محمد وسيعلم مخالفوك ومكذبوك، من المفتون الضال منك ومنهم. وهذا كقوله تعالى :﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الكذاب الأشر﴾ [القمر: ٢٦]، قال ابن عباس في هذه الآية : ستعلم ويعلمون يوم القيامة، ﴿بِأَييِّكُمُ المفتون﴾ أي المجنون، وقال قتادة :﴿بِأَييِّكُمُ المفتون﴾ أي أولى بالشيطان، ومعنى المفتون ظاهر أي الذي قد افتتن عن الحق وضل عنه، وإنما دخلت الباء في قوله :﴿بِأَييِّكُمُ﴾ لتدل على تضمين الفعل في قوله ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ وتقديره : فستعلم ويعلمون، أي فستخبر ويخبرون بأيكم المفتون، والله أعلم، ثم قال تعالى :﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين﴾ أي هو يعلم تعالى أي الفريقين منكم ومنهم هو المهتدي، ويعلم الحزب الضال عن الحق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى