اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله تعالى ﴿ن﴾ كقوله ﴿ص والقرآن﴾[ص: ١]، وجواب القسم الجملة المنفية بعدها.
قال ابن عباس - رضي الله عنهما - هو الحوت الذي على ظهره الأرض، وهو قول مجاهدٍ ومقاتل والسدي والكلبي(١).
وروى أبو ظبيان عن ابن عباس قال : أول ما خلق الله القلم، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم خلق النون فبسط الأرض على ظهره فتحرك النون، فمارت الأرض فأثبتت بالجبال(٢) وإن الجبال لتفخر على الأرض، ثم قرأ ابن عباس :﴿ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ﴾.
قال الواقديُّ : اسم النون ليوثا.
وقال كعب الأحبار : لوثوثا.
وعن علي : اسمه تلهوت.
وقيل : إنه أقسم بالحوت الذي ابتلع يونس - عليه الصلاة والسلام -.
وقيل : الحوت الذي لطخ سهم نمروذ بدمه.
وقال الكلبي ومقاتل : اسم الحوت الذي على ظهر الأرض : البَهْمُوت(٣).
قال الراجز :[ الرجز ]
٤٨٠٥ - مَا لِي أرَاكُمْ كُلَّكُمْ سُكُوتَاواللَّهُ ربِّي خَلقَ البَهْمُوتَا(٤)
وروى عكرمة عن ابن عباس : أن نون آخر حروف الرحمن(٥).
وقيل : إنه اسم للدواةِ، وهو أيضاً مروي عن ابن عباس.
قال القرطبيُّ : وروى أبو هريرة قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول :«أوّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ القَلمَ، ثُمَّ خلقَ النُّون، وهي الدَّواةُ، وذلك قوله تعالى " ن " والقلم »(٦) ومنه قول الشاعر :[ الوافر ]
٤٨٠٦ - إذَا مَا الشَّوْقُ يَبْرَحُ بِي إليْهِمْوألقى النُّون بالدَّمْعِ السِّجامِ(٧)
ويكون على هذا قسماً بالدواة والقلم، فإن المنفعة بهما عظيمة بسبب الكتابةِ، فإن التفاهم يحصل تارة بالنطق، وتارة بالكتابة.
وقيل : النون لوح من نون تكتب فيه الملائكةُ ما يؤمرون به، رواه معاوية بن قرة مرفوعاً.
وقيل : النون هو المداد الذي تكتب به الملائكة.
وقال عطاء وأبو العالية : هو افتتاح اسمه تعالى ناصر ونور ونصير، وقال محمد بن كعب : أقسم الله - تعالى - بنصره للمؤمنين.
وقال جعفر الصادق : هو نهر من أنهار الجنَّة يقال له : نون.
وقيل : هو الحرف المعروف من حروف المعجم، قاله القشيري.
قال : لأنه حرف لم يعرب فلو كان كلمة تامة أعرب به القلمُ، فهو إذن حرف هجاء، كما في أوائل السور.
قال الزمخشريُّ(٨) :«وأما قولهم : هو الدواة فما أدري أهو وضع لغوي، أو شرعي، ولا يخلو إذا كان اسماً للدواة من أن يكون جنساً، أو علماً، فإن كان جنساً فأين الإعراب والتنوينُ وإن كان علماً فأين الإعراب ؟ وأيهما كان فلا بد له من موقع في تأليف الكلام ؛ لأنك إذا جعلته مقسماً به، وجب إن كان جنساً أن تجره وتنونه، ويكون القسم بدواة منكرة مجهولة، كأنه قيل : ودواة والقلم، وإن كان علماً أن تصرفه وتجره، أو لا تصرفه وتفتحه للعلمية والتأنيث، وكذلك التفسير بالحوت، إما أن يراد نون من النينان، أو يجعل علماً للبهموت الذي يزعمون، والتفسير باللوح من نور أو ذهب والنهر في الجنَّة نحو ذلك ».
قال شهاب الدين(٩) :«وهذا الذي أورده أبو القاسم من محاسن علم الإعراب، وقلَّ من يتقنه ».
وقال ابن الخطيب(١٠) بعد ذكر القول بأنه آخر حروف اسم الرحمن : وهذا ضعيف، لأن تجويزه يفتح باب ترهات الباطنية، بل الحق هاهنا أنه اسم للسورة، أو يكون الغرض منه التحدي، وسائر الوجوه المذكورة في أول سورة البقرة.

فصل في قراءات «ن »


قرأ العامة :«نُونْ » ساكن النون كنظائره.
وأدغم ابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم(١١) بلا خلاف، وورش بخلاف عنه النون في الواو، وأظهرها الباقون.
قال الفراء(١٢) :«وإظهارها أعجب إليَّ، لأنها هجاء، والهجاء كالموقوف عليه وإن اتصل » ونقل عمن أدغم الغنَّة، وعدمها.
وقرأ ابن عباس والحسن(١٣) وأبو السِّمال وابن أبي إسحاقَ : بكسر النون.
وسعيد(١٤) بن جبير وعيسى بخلاف عنه : بفتحها.
فالأولى على التقاء الساكنين، ولا يجوز أن يكون مجروراً على القسم حذف حرف الجر وبقي عمله، كقولهم «اللَّهِ لأفعلَنَّ »، لوجهين :
أحدهما : أنه مختص بالجلالة المعظمة نادر فيما عداها.
والثاني : أنه كان ينبغي أن ينون، ولا يحسن أن يقال : هو ممنوع الصرف اعتباراً بتأنيث السورة، لأنه كان ينبغي ألاَّ يظهر فيه الجر بالكسر ألبتة.
وأما الفتح، فيحتمل ثلاثة أوجه :
أحدها : أن يكون بناء، وأوثر على الأصل للخفة ك «أين وكيف ».
الثاني : أن يكون مجروراً بحرف القسم المقدر على لغة ضعيفة، وقد تقدم ذلك في قراءة ﴿فالحقّ والحقِّ﴾[ص: ٨٤]، بجرّ «الحقّ »، ومنعت الصرف اعتباراً بالسورة.
والثالث : أن يكون منصوباً بفعل محذوف(١٥)، أي : ، اقرأوا نوناً ثم ابتدأ قسماً بقوله :«والقَلمِ » أو يكون منصوباً بعد حذف حرف القسم ؛ كقوله :[ الوافر ]
-٤٨٠٧. . .فَذَاكَ أمَانَةَ اللَّهِ الثَّريدُ(١٦)
ومنع الصرف لما تقدم، وهذا أحسن لعطف العلم على محله.
قوله :﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾.
«ما » موصولة، اسمية أو حرفية، أي : والذي يسطرونه من الكتب، وهم الكتَّاب والحفظة من الملائكة وسطرهم.
والضمير عائد على من يسطر لدلالة السياق عليه ولذكر الآلة المكتتب بها.
وقال الزمخشري(١٧) يجوز أن يراد بالقلم أصحابه فيكون الضمير في «يَسْطُرونَ » لهم.
يعني فيصير كقوله :﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ﴾[النور: ٤٠] تقديره : أو كذي ظلمات فالضمير في «يغْشَاه » يعود على «ذي » المحذوف.

فصل في المراد بالقلم


في «القلم » المقسم به قولان :
أحدهما : أن المراد به الجنس، وهو واقع على كل قلم يكتب به في السماء والأرض، قال تعالى :﴿وَرَبُّكَ الأكرم الذي عَلَّمَ بالقلم عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٣، ٤، ٥]، ولأنه ينتفع به كما ينتفع بالنطق كما قال تعالى :﴿خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ البيان﴾[الرحمن: ٣، ٤]، فالقلم يبين كما يبين اللسان في المخاطبة بالكتابة للغائب والحاضر.
والثاني : أنه القلم الذي جاء في الخبر، عن ابن عباسٍ : أول ما خلق الله القلم ثم قال له : اكتب قال : ما أكتب ؟ قال : ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة من عملٍ، أو أجلٍ، أو رزقٍ، أو أثرٍ، فجرى القلمُ بما هو كائن إلى يوم القيامة، قال : ثم ختم في القلم فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة، قال : وهو قلم من نور طوله كما بين السماء والأرض.
وروى مجاهد، قال : أول ما خلق الله القلم، فقال : اكتب القدر، فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، وإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه(١٨).
قال القاضي(١٩) : هذا الخبر يجب حمله على المجاز ؛ لأن القلم آلة مخصوصة للكتابة، ولا يجوز أن يكون حياً عاقلاً فيؤمر وينهى ؛ فإن الجمع بين كونه حيواناً مكلفاً وبين كونه آلة للكتابة محال، بل المراد منه أنه تعالى أجراه بكل ما يكون وهو كقوله تعالى :﴿إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾[آل عمران: ٤٧] فإنه ليس هناك أمر، ولا تكليف، وهو مجرد نفاذ القدرةِ في المقدور من غير منازعة ولا مدافعة.
وقيل : القلم المذكور هو العقل وأنه شيء هو كالأصل لجميع المخلوقات، قالوا : والدليل عليه أنه قد روي في الأخبار : أن أول ما خلق الله القلم.
وفي خبر آخر : أول ما خلق الله العقل، فقال الجبار : ما خلقت خلقاً أعجب إلي منك، وعزتي وجلالي لأكلمنك فيمن أحببت ولأبغضنك فيمن أبغضت، قال : ثم قال رسول الله ﷺ : أكمل النَّاسِ عقلاً أطوْعهُمْ للَّهِ وأعْلمُهُمْ بطاعته(٢٠).
وفي خبر آخر : أول ما خلق الله جوهرة، فنظر إليها بعين الهيبة فذابت، وسخنت، فارتفع منها دخان وزبد، فخلق من الدخان السماوات، ومن الزبد الأرض.
قالوا : فهذه الأخبار بمجموعها تدل على أن القلم والعقل وتلك الجوهرة التي هي أصل المخلوقات شيء واحد، وإلا حصل التناقض.
قوله :﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾، أي : وما يكتبون، يريد : الملائكة يكتبون أعمال بني آدم.
قاله ابن عباس.
وقيل : وما يكتب الناس ويتفاهمون به.
وقال ابن عباس : معنى ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ وما يعملون(٢١).
قال ابن الخطيب(٢٢) :﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ مع ما بعدهما في تقدير المصدر، فيحتمل أن يكون المراد وسطرهم، فيكون القسم واقعاً بنفس الكتابةِ، ويحتمل أن يكون المرادُ به المسطور والمكتوب، فإن حمل القلم على كل قلم في مخلوقات الله تعالى، فكأنه تعالى أقسم بكل قلم، وبكل ما يكتب بكل قلم. وقيل : المرادُ ما يسطرهُ الحفظة الكرام، ويجوز أن يراد بالقلم أصحابه، فيكون الضمير في «يَسْطرُونَ » لهم، كأنه قيل : وأصحاب القلم، وسطرهم، أو مسطوراتهم، وإن حمل على القلم المعين، فيحتمل أن يكون المراد بقوله «ومَا يَسْطُرونَ »، أي : وما يسطرون فيه، وهو اللوح المحفوظ، ولفظ الجمع في قوله «يَسْطُرونَ » ليس المراد منه الجمع بل التعظيم، ويكون المراد تلك الأشياء التي سطرت فيه من جميع الأمور الكائنة إلى يوم القيامة.
١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/١٧٦) عن ابن عباس ومجاهد وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/١٧٦) عن ابن عباس مرفوعا وقال: رواه الطبراني وقال لم يرفعه عن حماد بن زيد إلا مؤمل بن إسماعيل قلت: ومؤمل ثقة كثير الخطأ وقد وثقه ابن معين وغيره وضعفه البخاري وغيره وبقية رجاله ثقات.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣٨٧) وزاد نسبته إلى ابن مردويه.
وأورده السيوطي (٦/٣٨٨) عن مجاهد وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر..

٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/١٧٥) من طريق أبي ظبيان عن ابن عباس..
٣ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/١٤٧)..
٤ ينظر القرطبي ١٨/١٤٧..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/١٧٦)..
٦ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣٨٨) وعزاه إلى الحكيم الترمذي وذكره ابن كثير في "تفسيره" (٤/٤٠١) من رواية ابن أبي حاتم وقال: حديث مرفوع غريب جدا..
٧ ينظر الرازي ٣٠/٦٨، والبحر المحيط ٨/٣٠٢، وروح المعاني ٢٩/٢٨..
٨ ينظر: الكشاف ٤/٥٨٤..
٩ ينظر: الدر المصون ٦/٣٤٩..
١٠ ينظر: الفخر الرازي ٣٠/٦٨..
١١ ينظر: السبعة ٦٤٦، والحجة ٣٠٩، وإعراب القراءات ٢/٣٨١، وحجة القراءات ٦١٧، والعنوان ١٩٥، وإتحاف ٢/٥٥٣..
١٢ ينظر: معاني القرآن له ٣/١٧٢..
١٣ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٣٤٥، والبحر المحيط ٨/٣٠٢، والدر المصون ٦/٣٤٩..
١٤ ينظر السابق..
١٥ وهو تخريج ابن خالويه كما في "إعراب القراءات السبع" له ٢/٣٨٢..
١٦ تقدم..
١٧ ينظر: الكشاف ٤/٥٨٤..
١٨ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/١٤٨)..
١٩ ينظر الفخر الرازي (٣٠/٦٩)..
٢٠ ذكره ابن القيم في "المنار المنيف" (ص٦٦) وقال: أحاديث العقل كلها كذب..
٢١ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٣٨٩) وعزاه إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٢٢ ينظر: السابق..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى