تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور
عن الكتاب
افتتاح هذه السورة بأحد حروف الهجاء جار على طريقة أمثالها من فواتح السور ذوات الحروف المقطعة المبيّنة في سورة البقرة وهذه أول سورة نزلت مفتتحة بحرف مقطع من حروف الهجاء.
ورَسمُوا حرف ﴿ن﴾ بصورته التي يرسم بها في الخط وهي مسمّى اسمه الذي هو ﴿نُون﴾ ( بنونٍ بعدها واو ثم نون ) وكان القياس أن تكتب الحُروف الثلاثةُ لأن الكتابة تبَع للنطق والمنطوق به هو اسم الحرف لا ذاته، لأنك إذا أردتَ كتابةَ سيف مثلاً فإنما ترسم سينا، وياء، وفَاء، ولا ترسم صورة سَيْف.
وإنما يُقرأ باسم الحرف لا بهجائه كما تقدم في أول سورة البقرة.
ويُنطق باسم نون ساكنَ الآخر سكون الكلمات قبل دخول العوامل عليها، وكذلك قرىء في القراءات المتواترة.
﴿والقلم وما يسطرون﴾
يجري القسم هنا على سنن الأقسام الصادرة في كلام الله تعالى أن تكون بأشياء معظمة دالة على آثار صفات الله تعالى.
والقلم المقسم به قيل هو ما يكنى عنه بالقلم من تعلق علم الله بالموجودات الكائنة والتي ستكون، أو هو كائن غيبي لا يعلمه إلا الله. وعن مجاهد وقتادة : أنه القلم الذي في قوله تعالى ﴿الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾. قلت : وهذا هو المناسب لقوله ﴿وما يسطرون﴾ في الظاهر وهو الذي يقتضيه حال المشركين المقصودين بالخطاب الذين لا يعرفوا إلا القلم الذي هو آلة الكتابة عند أهل الكتاب وعند الذين يعرفون الكتابة من العرب.
ومن فوائد هذا القسم أن هذا القرآن كتاب الإسلام، وأنه سيكون مكتوبا مقروءا بين المسلمين، ولهذا كان رسول الله ﷺ يأمر أصحابه بكتابة ما يوحى به إليه. وتعريف ﴿القلم﴾ تعريف الجنس.
فالقسم بالقلم لشرفه بأنه يكتب به القرآن وكتبت به الكتب المقدسة وتكتب به كتب التربية ومكارم الأخلاق والعلوم وكل ذلك مما له حظ شرف عند الله تعالى.
وهذا يرجحه أن الله نوه بالقلم في أول سورة نزلت من القرآن لقوله ﴿اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾.
و﴿ما يسطرون﴾ هي السطور المكتوبة بالقلم و﴿ما﴾ يجوز أن تكون موصولة، أي وما يكتبونه من الصحف، ويجوز أن تكون مصدرية. والمعنى : وسطرهم الكتابة سطورا.
ويجوز أن يكون قسما بالأقلام التي يكتب بها كتاب الوحي القرآن، ﴿وما يسطرون﴾ قسما بكتابتهم، فيكون قسما بالقرآن على أن القرآن ما هو بكلام مجنون كما تقدم في قوله تعالى ﴿والكتاب المبين إنا جعلناه قرءانا عربيا﴾ في سورة الزخرف. وتنظيره بقول أبي تمام :
وثناياك إنها أغريض *** البيت
ويسطرون : مضارع سطر، يقال : سطر من باب نصر، إذا كتب كلمات عدة تحصل منها صفوف من الكتابة. وأصله مشتق من السطر وهو القطع، لأن صفوف الكتابة تبدو كأنها قطع.
وضمير ﴿يسطرون﴾ راجع إلى غير مذكور في الكلام وهو معلوم للسامعين لأن ذكر القلم ينبئ بكتبة يكتبون به فكان لفظ القسم متعلقا بآلة الكتابة والكتابة، والمقصود : المكتوب في إطلاق المصدر على المفعول. فهو بمنزلة الفعل المبني للمجهول لأن الساطرين غير معلومين، فكأنه قيل : والمسطور، نضير قوله تعالى ﴿وكتاب مسطور في رق منشور﴾.
ومن فسر ﴿القلم﴾ بمعنى تعلق علم الله تعالى بما سيكون جعل ضمير ﴿يسطرون﴾ راجعا إلى الملائكة فيكون السطر رمزا لتنفيذ الملائكة ما أمر الله بتنفيذه حين تلقي ذلك، أي يكتبون ذلك للعمل به أو لإبلاغه من بعضهم إلى بعض على وجه لا يقبل الزيادة ولا النقصان، فشبه ذلك الضبط بضبط الكاتب ما يريد إبلاغه بدون تغيير.
وأوثر القسم بالقلم والكتابة للإيماء إلى أن باعث الطاعنين على الرسول ﷺ واللامزين له بالجنون، إنما هو ما أتاهم به من الكتاب.
والمقسم عليه نفي أن يكون النبي ﷺ مجنونا والخطاب له بهذا تسلية له لئلا يحزنه قول المشركين لما دعاهم إلى الإسلام : هو مجنون، وذلك ما شافهوا به النبي ﷺ وحكاه الله عنهم في آخر السورة ﴿وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون﴾. وهكذا كل ما ورد فيه نفي صفة الجنون عنه فإنما هو رد على أقوال المشركين كقوله ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾. وقد زل فيه صاحب الكشاف زلة لا تليق بعلمه.
والمقصود من نفي الجنون عنه إثبات ما قصد المشركون نفيه وهو أن يكون رسولا من الله لأنهم لما نفوا عنه صفة الرسالة وضعوا موضعها صفة الجنون، فإذا نفي ما زعموه فقد ثبت ما ادعاه.
وقد أجيب قولهم وتأكيدهم ذلك بحرف ﴿إن﴾ ولام الابتداء إذ قالوا ﴿إنه لمجنون﴾ بمؤكدات أقوى مما في كلامهم إذ أقسم عليه وجيء بعد النفي بالباء التي تزاد بعد النفي لتأكيده، وبالجملة الاسمية منفية لدلالة الجملة الاسمية على ثبات الخبر، أي تحققه فهذه ثلاثة مؤكدات.
ورَسمُوا حرف ﴿ن﴾ بصورته التي يرسم بها في الخط وهي مسمّى اسمه الذي هو ﴿نُون﴾ ( بنونٍ بعدها واو ثم نون ) وكان القياس أن تكتب الحُروف الثلاثةُ لأن الكتابة تبَع للنطق والمنطوق به هو اسم الحرف لا ذاته، لأنك إذا أردتَ كتابةَ سيف مثلاً فإنما ترسم سينا، وياء، وفَاء، ولا ترسم صورة سَيْف.
وإنما يُقرأ باسم الحرف لا بهجائه كما تقدم في أول سورة البقرة.
ويُنطق باسم نون ساكنَ الآخر سكون الكلمات قبل دخول العوامل عليها، وكذلك قرىء في القراءات المتواترة.
﴿والقلم وما يسطرون﴾
يجري القسم هنا على سنن الأقسام الصادرة في كلام الله تعالى أن تكون بأشياء معظمة دالة على آثار صفات الله تعالى.
والقلم المقسم به قيل هو ما يكنى عنه بالقلم من تعلق علم الله بالموجودات الكائنة والتي ستكون، أو هو كائن غيبي لا يعلمه إلا الله. وعن مجاهد وقتادة : أنه القلم الذي في قوله تعالى ﴿الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾. قلت : وهذا هو المناسب لقوله ﴿وما يسطرون﴾ في الظاهر وهو الذي يقتضيه حال المشركين المقصودين بالخطاب الذين لا يعرفوا إلا القلم الذي هو آلة الكتابة عند أهل الكتاب وعند الذين يعرفون الكتابة من العرب.
ومن فوائد هذا القسم أن هذا القرآن كتاب الإسلام، وأنه سيكون مكتوبا مقروءا بين المسلمين، ولهذا كان رسول الله ﷺ يأمر أصحابه بكتابة ما يوحى به إليه. وتعريف ﴿القلم﴾ تعريف الجنس.
فالقسم بالقلم لشرفه بأنه يكتب به القرآن وكتبت به الكتب المقدسة وتكتب به كتب التربية ومكارم الأخلاق والعلوم وكل ذلك مما له حظ شرف عند الله تعالى.
وهذا يرجحه أن الله نوه بالقلم في أول سورة نزلت من القرآن لقوله ﴿اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾.
و﴿ما يسطرون﴾ هي السطور المكتوبة بالقلم و﴿ما﴾ يجوز أن تكون موصولة، أي وما يكتبونه من الصحف، ويجوز أن تكون مصدرية. والمعنى : وسطرهم الكتابة سطورا.
ويجوز أن يكون قسما بالأقلام التي يكتب بها كتاب الوحي القرآن، ﴿وما يسطرون﴾ قسما بكتابتهم، فيكون قسما بالقرآن على أن القرآن ما هو بكلام مجنون كما تقدم في قوله تعالى ﴿والكتاب المبين إنا جعلناه قرءانا عربيا﴾ في سورة الزخرف. وتنظيره بقول أبي تمام :
وثناياك إنها أغريض *** البيت
ويسطرون : مضارع سطر، يقال : سطر من باب نصر، إذا كتب كلمات عدة تحصل منها صفوف من الكتابة. وأصله مشتق من السطر وهو القطع، لأن صفوف الكتابة تبدو كأنها قطع.
وضمير ﴿يسطرون﴾ راجع إلى غير مذكور في الكلام وهو معلوم للسامعين لأن ذكر القلم ينبئ بكتبة يكتبون به فكان لفظ القسم متعلقا بآلة الكتابة والكتابة، والمقصود : المكتوب في إطلاق المصدر على المفعول. فهو بمنزلة الفعل المبني للمجهول لأن الساطرين غير معلومين، فكأنه قيل : والمسطور، نضير قوله تعالى ﴿وكتاب مسطور في رق منشور﴾.
ومن فسر ﴿القلم﴾ بمعنى تعلق علم الله تعالى بما سيكون جعل ضمير ﴿يسطرون﴾ راجعا إلى الملائكة فيكون السطر رمزا لتنفيذ الملائكة ما أمر الله بتنفيذه حين تلقي ذلك، أي يكتبون ذلك للعمل به أو لإبلاغه من بعضهم إلى بعض على وجه لا يقبل الزيادة ولا النقصان، فشبه ذلك الضبط بضبط الكاتب ما يريد إبلاغه بدون تغيير.
وأوثر القسم بالقلم والكتابة للإيماء إلى أن باعث الطاعنين على الرسول ﷺ واللامزين له بالجنون، إنما هو ما أتاهم به من الكتاب.
والمقسم عليه نفي أن يكون النبي ﷺ مجنونا والخطاب له بهذا تسلية له لئلا يحزنه قول المشركين لما دعاهم إلى الإسلام : هو مجنون، وذلك ما شافهوا به النبي ﷺ وحكاه الله عنهم في آخر السورة ﴿وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون﴾. وهكذا كل ما ورد فيه نفي صفة الجنون عنه فإنما هو رد على أقوال المشركين كقوله ﴿وما صاحبكم بمجنون﴾. وقد زل فيه صاحب الكشاف زلة لا تليق بعلمه.
والمقصود من نفي الجنون عنه إثبات ما قصد المشركون نفيه وهو أن يكون رسولا من الله لأنهم لما نفوا عنه صفة الرسالة وضعوا موضعها صفة الجنون، فإذا نفي ما زعموه فقد ثبت ما ادعاه.
وقد أجيب قولهم وتأكيدهم ذلك بحرف ﴿إن﴾ ولام الابتداء إذ قالوا ﴿إنه لمجنون﴾ بمؤكدات أقوى مما في كلامهم إذ أقسم عليه وجيء بعد النفي بالباء التي تزاد بعد النفي لتأكيده، وبالجملة الاسمية منفية لدلالة الجملة الاسمية على ثبات الخبر، أي تحققه فهذه ثلاثة مؤكدات.