البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
يقول الحق جلّ جلاله :﴿ن﴾، هو من جملة الرموز، ك ﴿ص﴾ و﴿ق﴾، وكأنه والله أعلم يُشير إلى ما خصّ به نبيَّه من أسرار النبوة والخلافة، أي : نبأناك ونبَّهناك ونوّبناك خليفة عنا، أو نوّهنا بك في مُلكنا وملكوتنا، أو : أيها النبي المفخّم، والرسول المعظّم، وحق نون والقلم ما أنت بمجنون. وقيل : مختصر من نور وناصر ونصير، وقيل : من الرحمان، لكن ورد في الحديث :" أول ما خلق اللهُ القلم، ثم خَلَقَ النون "، وهو الدواة، وذلك قوله :﴿ن والقلم﴾ فإن صَحّ الحديث فهو أولى في تفسير الآية، وقد رُوي عن ابن عباس وغيره، في تفسير الآية : أنه الدواة والقلم الذي بأيدي الناس، ورُوي عن ابن عباس أيضاً : أنه الحوت الأعظم، الذي عليه الأرضون السبع.
قال الكلبي ومقاتل : اسمه يهموت بالياء وقيل : ليُوثا، وقيل : باهوتا. رُوي : أنّ الله تعالى لمّا خلق الأرض وفَتَقَها، بعث مِن تحت العرش ملكاً، فهبط إلى الأرض حتى دخل تحت الأرضين السبع، فوضعها على عاتقه، إحدى يديه بالمشرق، والأخرى بالمغرب، باسطتين، قابضتين على الأرضين السبع، فلم يكن لقدميه موضع قرار، فأهبط الله من الفردوس ثوراً، له أربعون ألف قرنٍ، وأربعون ألف قائمة، وجعل قرار قدم الملك على سنامه فلم تستقر قدماه، فأهبط الله ياقوتة خضراء من أعلى درجة في الفردوس، غلظها خمسمائة عام، فوضعها على سنام الثور إلى أذنه، فاستقرت قدما المَلك عليه، وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض، ومنخاره في البحر، فهو يتنفس كل يوم نفساً، فإذا تنفّس مدَّ البحرُ، وإذا هدأ نَفَسُه جزرَ البحر، فلم يكن لقوائم الثور موضع قرار، فخلق الله صخرة خضراء، كغلظ سبع سموات وسبع أرضين، فاستقرت قوائم الثور عليها، وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه :
﴿فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ﴾ [لقمان: ١٦] الآية، فلم تستقر الصخرة، فخلق الله نوناً وهو الحوت العظيم فوضع الصخرة على ظهره، وسائر جسده عارٍ، والحوت على البحر، والبحر على متن الريح، والريح على القدرة الأزلية، ثقل الدنيا بما فيها حرفان " كن فيكون ". ه. من الثعلبي، وهذا من باب عالَم الحكمة، وإلاّ فما ثَمَّ إلا تجليات الحق وأسرار الذات، والصفات الأزلية. وتفسير ﴿ن﴾ بهذا الحوت ضعيف.
قال ابن جزي : ويُبطل قول مَن قال : إنه الحوت أو الدواة، بأنه لو كان كذلك لكان مُعرباً، ولَكَان في آخره تنوين، فكونه موقوفاً دليل على أنه حرف هجاء، نحو :﴿الم﴾ وغيره. ه.
ثم أقسم بالقلم، فقال :﴿والقلم وما يسطرون﴾، قيل : هو القلم الذي كتب اللوح المحفوظ، فالضمير في ﴿يسطرون﴾ للملائكة، وقيل : القلم المعروف عند الناس، أقسم له بِما فيه من المنافع والحِكم.
قال ابن الهيثم : من جلالة القلم أنه لم يكتب الله كتاباً إلا به، ولذلك أقسم به. الأقلام مطايا الفِطن ورسل الكرام، وقيل : البيان اثنان : بيان لسان، وبيان بَنَان، ومِن فضل بيان البنان أنَّ ما تبيَّنته الأقلام باق على الأيام، وبيان اللسان تدْرُسه الأعوام، ولبعض الحكماء : قِوام أمور الدين والدنيا : القلم، والسيف تحت القلم. وأنشد بعضهم في هذا المعنى :
قَلَمٌ مِنَ القَصَبِ الضَّعيف الأجْوفِأَمضَى من الرُّمْح الطويل الأهيَفِ
ومِن النِّصال إذا انْبَرَتْ لِقسِيِّهاومِن المُهَنَّد في الصِّقال المُرْهَفِ
وأَشَدُّ إِقدَاماً من الليْثِ الذييَكْوِي القُلوبَ إذا بدا في الموقِفِ
وقال آخر :
قَوْمٌ إذا عَرَفوا عَداوةَ حَاسِدٍسَفَكُوا الدِّمَا بأَسِنَّةِ الأَقْلامِ
ولَضَرْبَةٌ مِن كاتبٍ بِبَنَانِهِأَمْضَى وأَبْلَغُ من رقيق حُسَامِ
فالضمير في ﴿يَسْطُرون﴾ على هذا لبني آدم، فالضمير يعود على الكتبة المفهومة من القلم اللازمة له.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قد يُقال : أشار بقوله :﴿ن﴾ إلى سرعة إنفاذ أمره بين الكاف والنون، ثم أقسم بالقلم على تنزيه نبيه من الجنون، ويُقال مثل ذلك لخلفائه، إذا رُمُوا بالجنون أو السحر أو سخافة العقل، ويُقال لهم في إرشاد الناس وتذكيرهم ما قيل لنبيّهم :﴿وإِنَّ لك لأجراً غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم﴾، فحُسن الخلق دليل على ثبوت الخصوصية، وعدمه دليل على عدم وجودها ؛ لأنّ الخمرة إذا دخلت القلب والروح هَذّبت أخلاقهما، وطهّرت أكدارهما، وما تُبقي إلاَّ الذهب الإبريز.
وقال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمان العارف : كان صلى الله عليه وسلم على خُلقٍ عظيم ؛ لشرح صدره بالنور، كما قال تعالى :﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، ولحديث شرح صدره وشقه وتطهيره، ونزع حظ الشيطان منه، ثم إفراغ الحكمة والنور فيه، حتى مُلئ بذلك، فكان شيئاً محضاً لله تعالى، لا تعلُّق له بغيره، فناسب القرآن، وصار خُلقاً له، منقوشاَ فيه، من غير روية، ولا تكسب في ذلك، بل طُبع على ذلك، وسرى فيه أمر الوحي، وجرى على مقتضاه في جميع أحواله، ولذلك تجد السُنة مشرعة من القرآن، وخارجة منه خروج اللبن من الضرع، والزبد من اللبن، فصار متخلّقاً بالقرآن، وفي الحقيقة متخلّقاً بخُلق الله، ومظهرَ أوصافه، ومجلاة سره وشأنه، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ﴾ [الفتح: ١٠] الآية، ومَن رآه فقد رأى الحق. والله أعلم. هـ. فعائشة رضي الله عنها احتشمت وسترت حيث عبّرت بالقرآن، ولم تقل كان خلقه خلق الرحمان.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى