التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
افتتحت سورة " القلم " بأحد الحروف المقطعة، وهي آخر سورة فى ترتيب المصحف، افتتحت بواحد من هذه الحروف. أما بالنسبة لترتيب النزول، فقد تكون أول سورة نزلت على النبى ﷺ في السور المفتتحة بالحروف المقطعة.
وقد قلنا عند تفسيرنا لسورة البقرة : وردت هذه الحروف المقطعة تارة مفردة بحرف واحد، وتارة مركبة من حرفين أو ثلاثة، أو أربعة، أو خمسة.
فالسور التى بدئت بحرف واحد ثلاث سور وهى : ص، ق، ن.
والسور التى بدئت بحرفين تسع سور وهى : طه، يس، طس، وحم، في ست سور، وهي : غافر، فصلت، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف.
والسور التى بدئت بثلاثة أحرف، ثلاث عشرة سورة وهي : " ألم " في ست سور، وهي : البقرة، آل عمران، العنكبوت، الروم، لقمان، السجدة.
و ﴿الر﴾ في خمس سور : وهي : يونس، هود، يوسف، إبراهيم، الحجر.
و ﴿طسم﴾ في سورتين وهما : الشعراء، والقصص.
وهناك سورتان بدئتا بأربعة أحرف وهما : الرعد، " المر " والأعراف " المص ".
وهناك سورتان - أيضا - بدئنا بخمسة أحرف، وهما : " مريم " " كهيعص " والشورى : " حم عسق " فيكون مجموع السور التى افتتحت بالحروف المقطعة : تسعا وعشرين سورة.
هذا، وقد وقع خلاف بين العلماء في المعنى المقصود بتلك الحروف المقطعة التى افتتحت بها بعض السور القرآنية، ويمكن إجمال خلافهم في رأيين رئيسيين :
الرأي الأول يرى أصحابه : أن المعنى المقصود منها غير معروف، فهي من المتشابه الذي استأثر الله - تعالى - بعلمه.
وإلى هذا الرأي ذهب ابن عباس - في بعض الروايات عنه - كما ذهب إليه الشعبي، وسفيان الثوري وغيرهم من العلماء.
فقد أخرج ابن المنذر عن الشعبي أنه سئل عن فواتح السور فقال : إن لكل كتاب سرا، وإن سر هذا القرآن في فواتح السور.
ويروى عن ابن عباس أنه قال : عجزت العلماء عن إدراكها.
وعن علي بن أبي طالب أنه قال : " إن لكل كتاب صفوة، وصفوة الكتاب حروف التهجي ".
وفي رواية أخرى عن الشعبي أنه قال : " سر الله فلا تطلبوه "
ومن الاعتراضات التي وجهت إلى هذا الرأي، أنه إذا كان الخطاب بهذه الفواتح غير مفهوم للناس لأنه من المتشابه، فإنه يترتب على ذلك أنه كالخطاب بالمهمل، أو مثل ذلك كمثل المتكلم بلغة أعجمية مع أناس عرب لا يفهمونها.
وقد أجيب عن ذلك بأن هذه الألفاظ، لم ينتف الإِفهام عنها عند كل أحد، فالرسول ﷺ كان يفهم المراد منها، وكذلك بعض أصحابه المقربين، ولكن الذي ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة في أوائل بعض السور.
وهناك مناقشات أخرى للعلماء حول هذا الرأي، يضيق المجال عن ذكرها.
أما الرأي الثاني فيرى أصحابه أن المعنى المقصود منها معلوم، وأنها ليست من المتشابه الذي استأثر الله - تعالى - بعلمه.
وأصحاب هذا الرأي قد اختلفوا فيما بينهم في تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة من أهمها ما يأتي :
أ - أن هذه الحروف أسماء للسور، بدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها كسورة " ص " وسورة " يس ".
ولايخلو هذا القول من الضعف، لأن كثيرا من السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه الفواتح، والغرض من التسمية رفع الاشتباه.
ب - وقيل : إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة، للدلالة على انقضاء سورة وابتداء أخرى.
ج - وقيل : إنها حروف مقطعة، بعهضا من أسماء الله - تعالى -، وبعضها من صفاته، فمثلا :﴿الم﴾ أصلها : أنا الله أعلم.
د - وقيل : إنها اسم الله الأعظم. إلى غير ذلك من الأقوال التي لا تخلوا من مقال، والتي أوصلها الإمام السيوطي في كتابه " الإتقان " إلى أكثر من عشرين قولا.
ه - ولعل أقرب الآراء إلى الصواب أن يقال : إن هذه الحروف المقطعة، قد وردت في افتتاح بعض السور، للإِشعار بأن هذا القرآن الذي تحدى الله به المشركين، هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التي يعرفونها، ويقدرون على تأليف الكلام منها، فإذا عجزوا عن الإِتيان بسورة من مثله، فذلك لبلوغه في الفصاحة والبلاغة، مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة.
وفضلا عن ذلك، فإن تصدير هذه السور بمثل هذه الحروف المقطعة، يجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم، إلى الإِنصات والتدبر، لأنه يطرق أسماعهم في أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة في مجاري كلامهم. وذلك مما يلفت أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها، فيسمعوا حكما وحججا قد تكون سببا في هدايتهم واستجابتهم للحق.
هذه خلاصة لآراء العلماء في الحروف المقطعة، التي افتتحت بها بعض السور القرآنية، ومن أراد مزيدا لذلك فليرجع - مثلا - إلى كتاب " البرهان " للزركشي، وكتاب " الإتقان " للسيوطي، وتفسير " الآلوسي ".
ولفظ " ن " على الرأي الذي رجحناه، يكون إشارة إلى إعجاز القرآن...
وقيل : هو من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه..
وقد ذكر بعض المفسرين أقوالا أخرى، لا يعتمد عليها لضعفها، ومن ذلك قولهم : إن " نون " اسم لحوت عظيم.. أو اسم للدواة... وقيل : " نون " لوح من نور..
والواو في قوله :﴿والقلم﴾ للقسم، والمراد بالقلم : جنسه، فهو يشمل كل قلم يكتب به و " ما " في قوله ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ موصولة أو مصدرية.
و ﴿يَسْطُرُونَ﴾ مضارع سطر - من باب نصر -، يقال : سطر الكتاب سطرا، إذا كتبه، والسطر : الصف من الشجر وغيره، وأصله من السطر بمعنى القطع، لأن صفوف الكتابة تبدو وكأنها قطع متراصة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى