فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قوله :﴿ن﴾ قرأ أبو بكر وورش وابن عامر والكسائي وابن محيصن وابن هبيرة بإدغام النون الثانية من هجائها في الواو، وقرأ الباقون بالإظهار، وقرأ أبو عمرو وعيسى بن عمر بالفتح على إضمار فعل. وقرأ ابن عامر ونصر وابن إسحاق بكسرها على إضمار القسم، أو لأجل التقاء الساكنين، وقرأ محمد بن السميفع وهارون بضمها على البناء. قال مجاهد ومقاتل والسديّ : هو الحوت الذي يحمل الأرض وبه قال مرّة الهمذاني وعطاء الخراساني والكلبي. وقيل : إن نون آخر حرف من حروف الرحمن. وقال ابن زيد : هو قسم أقسم الله به. وقال ابن كيسان : هو فاتحة السورة. وقال عطاء وأبو العالية : هي النون من نصر وناصر. قال محمد بن كعب : أقسم الله تعالى بنصره المؤمنين، وقيل : هو حرف من حروف الهجاء، كالفواتح الواقعة في أوائل السور المفتتحة بذلك، وقد عرّفناك ما هو الحق في مثل هذه الفواتح في أوّل سورة البقرة، والواو في قوله :﴿والقلم﴾ واو القسم، أقسم الله بالقلم لما فيه من البيان، وهو واقع على كل قلم يكتب به. وقال جماعة من المفسرين : المراد به : القلم الذي كتب به اللوح المحفوظ، أقسم الله به تعظيماً له. قال قتادة : القلم من نعمة الله على عباده ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ «ما » موصولة : أي والذي يسطرون، والضمير عائد إلى أصحاب القلم المدلول عليهم بذكره، لأن ذكر آلة الكتابة تدلّ على الكاتب. والمعنى : والذي يسطرون : أي يكتبون كل ما يكتب، أو الحفظة على ما تقدّم. ويجوز أن تكون «ما » مصدرية : أي وسطرهم. وقيل : الضمير راجع إلى القلم خاصة من باب إسناد الفعل إلى الآلة وإجرائها مجرى العقلاء، وجواب القسم قوله :﴿مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، والخطيب في تاريخه، والضياء في المختارة عن ابن عباس قال : إن أوّل شيء خلقه الله القلم، فقال له : اكتب، فقال : يا ربّ، وما أكتب ؟ قال : اكتب القدر، فجرى من ذلك اليوم بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم طوى الكتاب ورفع القلم، وكان عرشه على الماء فارتفع بخار الماء، ففتقت منه السموات ثم خلق النون، فبسطت الأرض عليه، والأرض على ظهر النون، فاضطرب النون فمادت الأرض، فأثبتت الجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة، ثم قرأ ابن عباس :﴿ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن مردويه عن عبادة ابن الصامت سمعت رسول الله ﷺ يقول :«إن أوّل ما خلق الله القلم، فقال له : اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد». وأخرج ابن جرير من حديث معاوية بن قرّة عن أبيه مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال : إن الله خلق النون، وهي الدواة : وخلق القلم، فقال : اكتب، قال : وما أكتب ؟ قال : اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه. وأخرج عبد ابن حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال :﴿ن﴾ الدواة. وأخرج ابن مردويه عنه قال : قال رسول الله ﷺ :«النون : السمكة التي عليها قرار الأرضين، والقلم الذي خطّ به ربنا عزّ وجلّ القدر خيره وشرّه، وضرّه ونفعه». ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ قال :«الكرام الكاتبون» وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله :﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ قال : ما يكتبون. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ قال : وما يعلمون. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومسلم وابن المنذر والحاكم وابن مردويه عن سعد بن هشام قال : أتيت عائشة فقلت : يا أمّ المؤمنين أخبريني بخلق رسول الله ﷺ، قالت : كان خلقه القرآن، أما تقرأ القرآن :﴿وإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والواحدي عنها «قالت : ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله ﷺ، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلاّ قال :«لبيك»، فلذلك أنزل الله ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾». وأخرج ابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي الدرداء قال :«سئلت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت : كان خلقه القرآن، يرضى لرضاه ويسخط لسخطه». وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه وابن مردويه عن أبي عبد الله الجدلي قال : قلت لعائشة :«كيف كان خلق رسول الله ﷺ ؟ قالت : لم يكن فاحشاً ولا متفاحشاً، ولا صخاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح».
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله :﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ قال : تعلم ويعلمون يوم القيامة ﴿بِأَيّكُمُ المفتون﴾ قال : الشيطان، كانوا يقولون : إنه شيطان، وإنه مجنون. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال : بأيكم المجنون. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله :﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ يقول : لو ترخص لهم فيرخصون. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾ الآية قال : يعني : الأسود بن عبد يغوث. وأخرج ابن مردويه عن أبي عثمان النهدي قال :«قال مروان لما بايع الناس ليزيد : سنة أبي بكر وعمر فقال عبد الرحمن بن أبي بكر : إنها ليست بسنة أبي بكر وعمر ولكنها سنة هرقل فقال مروان : هذا الذي أنزل فيه :﴿والذي قَالَ لوالديه أُفّ لَّكُمَا﴾ [الأحقاف: ١٧] الآية، قال : فسمعت ذلك عائشة فقالت : إنها لم تنزل في عبد الرحمن، ولكن نزل في أبيك :﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ﴾». وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال :«نزل على النبيّ ﷺ ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ﴾ فلم نعرف حتى نزل عليه ﴿بعد ذلك زنيم﴾، فعرفناه له زنمة كزنمة الشاة». وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال : العتلّ هو الدعيّ، والزنيم هو المريب الذي يعرف بالشرّ. وأخرج عبد بن حميد وابن عساكر عنه قال : الزنيم : هو الدعيّ. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه عنه أيضاً قال : الزنيم الذي يعرف بالشرّ كما تعرف الشاة بزنمتها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال : هو الرجل يمرّ على القوم، فيقولون رجل سوء. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله :﴿زَنِيمٍ﴾ قال : ظلوم. وقد قيل : إن هذه الآيات نزلت في الأخنس بن شريق، وقيل : في الوليد بن المغيرة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله :﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ قال : تعلم ويعلمون يوم القيامة ﴿بِأَيّكُمُ المفتون﴾ قال : الشيطان، كانوا يقولون : إنه شيطان، وإنه مجنون. وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال : بأيكم المجنون. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله :﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ يقول : لو ترخص لهم فيرخصون. وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾ الآية قال : يعني : الأسود بن عبد يغوث. وأخرج ابن مردويه عن أبي عثمان النهدي قال :«قال مروان لما بايع الناس ليزيد : سنة أبي بكر وعمر فقال عبد الرحمن بن أبي بكر : إنها ليست بسنة أبي بكر وعمر ولكنها سنة هرقل فقال مروان : هذا الذي أنزل فيه :﴿والذي قَالَ لوالديه أُفّ لَّكُمَا﴾ [الأحقاف: ١٧] الآية، قال : فسمعت ذلك عائشة فقالت : إنها لم تنزل في عبد الرحمن، ولكن نزل في أبيك :﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ﴾». وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس قال :«نزل على النبيّ ﷺ ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ﴾ فلم نعرف حتى نزل عليه ﴿بعد ذلك زنيم﴾، فعرفناه له زنمة كزنمة الشاة». وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه قال : العتلّ هو الدعيّ، والزنيم هو المريب الذي يعرف بالشرّ. وأخرج عبد بن حميد وابن عساكر عنه قال : الزنيم : هو الدعيّ. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه عنه أيضاً قال : الزنيم الذي يعرف بالشرّ كما تعرف الشاة بزنمتها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه قال : هو الرجل يمرّ على القوم، فيقولون رجل سوء. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله :﴿زَنِيمٍ﴾ قال : ظلوم. وقد قيل : إن هذه الآيات نزلت في الأخنس بن شريق، وقيل : في الوليد بن المغيرة.