فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان
عن الكتاببسم الله الرحمن الرحيم
﴿ن والقلم وما يسطرون ( ١ ) ما أنت بنعمة ربك بمجنون ( ٢ ) وإن لك لأجرا غير ممنون ( ٣ ) وإنك لعلى خلق عظيم ( ٤ ) فستبصر ويبصرون ( ٥ ) بأييّكم المفتون ( ٦ )﴾﴿ن﴾ قرئ بإدغام النون الثانية من هجائها في الواو، وقرئ بالإظهار وبالفتح على إضمار فعل وبكسرها على إضمار القسم، أو لأجل التقاء الساكنين، وبضمها على البناء ؛ عن ابن عباس أنه قال نون : الدواة، أخرجه ابن المنذر وعبد بن حميد، وأخرج ابن مردويه عنه قال : قال رسول الله ﷺ " النون السمكة (١) التي عليها قرار الأرضين "، وقال مجاهد والسدي ومقاتل : هو الحوت الذي يحمل الأرض، وبه قال مرة الهمداني، وعطاء الخراساني والكلبي.
وقيل إن نون آخر حرف من حروف الرحمن ؛ وقال ابن زيد : هو قسم أقسم الله به ؛ وقال ابن كيسان : هو فاتحة السورة وقال عطاء وأبو العالية : هي النون من نصر وناصر ؛ وقال محمد بن كعب : أقسم الله بنصره المؤمنين، وقيل اسم للسورة وقيل اسم للقرآن، وقيل هو حرف من حروف الهجاء كالفواتح الواقعة في أوائل السور المفتتحة بذلك، وقد اختاره المحلي حيث قال أحد الحروف الهجاء ؛ وأراد بذلك الرد على من قال أنه مقتطع من اسمه تعالى الرحمن أو النصير أو الناصر أو النور.
وقال النسفي : الظاهر أن المراد به هذا الحرف من حروف المعجم ؛ وأما قول الحسن أنه الدواة وقول ابن عباس أنه الحوت الذي عليه الأرض واسمه بهموت، فمشكل سواء كان جنس أو اسم علم، فالسكون دليل على أنه من حروف المعجم انتهى. وقد عرفناك ما هو الحق في مثل هذه الفواتح في أول سورة البقرة.
﴿والقلم﴾ الواو واو القسم أقسم الله بالقلم لما فيه من البيان وهو واقع على كل قلم يكتب به في الأرض والسماء، وقال جماعة من المفسرين ومنهم المحلي المراد به القلم الذي كتب به الكائنات في اللوح المحفوظ، أقسم الله به تعظيما له، قال قتادة القلم من نعمة الله على عباده. وعن عبادة بن الصامت سمعت رسول الله ﷺ يقول :" إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد " (٢) أخرجه الترمذي وصححه وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه.
وأخرج ابن جرير من حديث معاوية بن قرة عن أبيه مرفوعا نحوه، وعن ابن عباس قال :" إن الله خلق النون وهي الدواة وخلق القلم فقال : اكتب، قال : وما أكتب ؟ قال : اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة " أخرجه ابن جرير وابن المنذر، وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة مرفوعا نحوه (٣).
وعن ابن عباس أن أول شيء خلقه الله القلم فقال الله له اكتب فقال : يا رب ما أكتب ؟ فقال : اكتب القدر، فجرى من ذلك اليوم بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، ثم طوى الكتاب ورفع القلم. وكان عرشه على الماء فارتفع بخار الماء ففتقت منه السموات، ثم خلق النون فبسطت الأرض عليه، والأرض على ظهر النون فاضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت الجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة ثم قرأ ﴿نون والقلم وما يسطرون﴾ أخرجه الحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات وأبو الشيخ وغيرهم.
﴿وما يسطرون﴾ ما موصولة والضمير عائد إلى أصحاب القلم المدلول عليهم بذكره، لأن ذكر آلة الكتابة تدل على الكاتب، والمعنى والذي يكتبون كل ما يكتب أو الحفظة الكاتبون على بني آدم، قال ابن عباس يسطرون يكتبون، ويجوز أن تكون ما مصدرية أي وسطرهم، وقيل الضمير راجع إلى القلم خاصة من باب إسناد الفعل إلى الآلة وإجرائها مجرى العقلاء، وعن ابن عباس أيضا قال :﴿وما يسطرون﴾ ما يعلمون.
١ هذا من المروي بغير تحقيق. رواه الطبري ٢٩/١٤ وأبو ظبيان قابوس وفيه لين كما قال ابن حجر في التقريب..
٢ زاد المسير، ٨/٣٢٧..
٣ رواه ابن عساكر ١٧/٢٤٧/١ عن الحسن بن يحي الخشني عن أبي عبد الله مولى بني أمية عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه بأطول منه، وتمامه:" ثم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما يكون-أو ما هو كائن من عمل أو رزق أو أجل، فكتب ذلك إلى يوم القيامة، فذلك قوله:﴿ن والقلم وما يسطرون﴾ ثم ختم على القلم فلم يتكلم إلى يوم القيامة، ثم خلق العقل وقال: وعزتي لأكملنك فيمن أحببت، ولأنقصنّك ممن أبغضت". والحسن بن يحيي صدوق كثير الغلط كما قال الحافظ في "التقريب"، والحديث رواه أحمد في "المسند" ٥/٣١٧ من طرق عن الوليد بن عبادة عن أبيه عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وليس فيه ذكر النون في أوله ولا ذكر العقل في آخره، ورواه الترمذي ٢/١٦٢ بنحو رواية أحمد وقال: حديث حسن صحيح غريب، ورواه أيضا أبو داود في " سننه" رقم (٤٧٠٠) والطبري ٢٩/١٧ وهو حديث صحيح بهذا القدر..
٢ زاد المسير، ٨/٣٢٧..
٣ رواه ابن عساكر ١٧/٢٤٧/١ عن الحسن بن يحي الخشني عن أبي عبد الله مولى بني أمية عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه بأطول منه، وتمامه:" ثم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما يكون-أو ما هو كائن من عمل أو رزق أو أجل، فكتب ذلك إلى يوم القيامة، فذلك قوله:﴿ن والقلم وما يسطرون﴾ ثم ختم على القلم فلم يتكلم إلى يوم القيامة، ثم خلق العقل وقال: وعزتي لأكملنك فيمن أحببت، ولأنقصنّك ممن أبغضت". والحسن بن يحيي صدوق كثير الغلط كما قال الحافظ في "التقريب"، والحديث رواه أحمد في "المسند" ٥/٣١٧ من طرق عن الوليد بن عبادة عن أبيه عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وليس فيه ذكر النون في أوله ولا ذكر العقل في آخره، ورواه الترمذي ٢/١٦٢ بنحو رواية أحمد وقال: حديث حسن صحيح غريب، ورواه أيضا أبو داود في " سننه" رقم (٤٧٠٠) والطبري ٢٩/١٧ وهو حديث صحيح بهذا القدر..