تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ١ وقوله تعالى :﴿ن والقلم وما يسطرون﴾ اختلف في تأويل ﴿ن﴾ فمنهم من يقول : هو الحوت كقوله :﴿وذا النون إذ ذهب مغاضبا﴾ [الأنبياء: ٨٧] فنسبه إلى النون، وهو الحوت ألا ترى إلى قوله :﴿فالتقمه الحوت وهو مليم﴾ [الصافات: ١٤٢].
ومنهم من يقول : النون هو الدّواة، فتأويله هذا على جهة الموافقة، لأنه ذكر القلم وما يسطر به، فلم يبق ههنا سوى الدواة، فحمله على الدواة على الموافقة، لا أن يكون فيه معنى يدل على إرادة الدواة منه، والله أعلم.
ومنهم من يقول : هي فارسية معربة : النون كن أي اصنع ما شئت ؛ يقال هذا عند الإياس ؛ إذ المرء إذا أيس من آخر قال له : اصنع ما شئت إذن(١).
ومنهم من يقول : هو من الحروف المقطعة. ويشبه أن يكون هو المراد، لأنه ذكر القلم ﴿وما يسطرون﴾ على إثره، وإنما يكتب بالقلم، وتسطر الحروف المعجمة. فأخبر تعالى عظيم صنعه ولطفه بإنشائه هذه الحروف، وخلقه القلم وما يسطر [ به حين ](٢) يوصل بها إلى تعرف الحكمة وكل ما تكون به المصلحة من الدين والدنيا. بل جعل قوام الدين والدنيا بها.
ومنهم من يجعل كل حرف من الحروف المعجمة اسما من أسماء الله تعالى، أو افتتاح اسم من أسمائه.
وكذلك يروى عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنه قال ذلك.
فإن كان النون اسما من أسماء الله تعالى، فالقسم به قسم بالله تعالى. وإن كان على غيره من الوجوه التي ذكرناها، فالقسم جار بما به قوام سائر الخلق ومصالحهم. وقد ذكرنا أن القسم تأكيد ما يقصد من الأمر، والله أعلم.
١ ساقطة من م.
٢ في الأصل و م: عليه حيث.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى